الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٢قوله: «الحمَّى من فيح جهنَّم»: بفتح الفاء وسكون التحتيَّة وحاء مهملة، <3/394> أي سطوع حرِّها وفورانه، أرسلت إِلىَ الدُّنيا نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين، لأنَّها كفَّارة لذنوبهم، فاللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من نار جهنَّم قدَّر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك كما أنَّ أنواع الفرح واللذَّة من نعيم الجنَّة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ودلالة. وَقِيلَ: هو من باب التشبيه: شبَّه اشتعال حرارة الطبيعة في كونها مذيبة للبدن ومعذِّبة له بنار جهنَّم، ففيه تنبيه للنفوس على شدَّة حرِّ النَّار والأوَّل أولى. قال الطيبي: «مِنْ» ليست ببيانية حتَّى تكون تشبيهًا كقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]، فهي إمَّا ابتدائيَّة، أي الحمَّى نشأت وحصلت من فيح جهنَّم، أو تبعيضيَّة، أي بعض منها، قال: ويدلُّ على هذا التأويل ما في الصحيح: «اشتكت النارُ إِلىَ رَبِّها فقالت يَا رَبِّ أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين: نفَس في الشتاء ونَفَس في الصيف»، فكما أنَّ حرارة الصيف أثر من فيحها كذلك الحمى.
قوله: «فأطفئوها بالماء»: بقطع الهمزة وكسر الفاء بعدها همزة مضمومة. أمر بإطفاء حرارتها بالماء البارد شربًا وغسلاً على ما يليق بالزمان والمزاج والمكان، وذلك أنَّ الماء البارد رطب ينساغ لسهولته فيصل بلطافته إِلىَ أماكن العلَّة من غير حاجة إِلىَ معاونة الطبيعة، وهذا إِنَّمَا هو في بعض الحمَّيات دون بعض، وفي بعض الأزمان دون بعض، وكذلك المكان، لأنَّ بعض البلاد حارَّة وبعضها باردة.