شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٣٣٥

وأمَّا ما ورد في القرآن من القَسَم بغير الله تعالى ففيه جوابان:

أحدهما: أنَّ فيه حذفًا، والتقدير: وربِّ الشمس، ونحوه.

والثاني: أنَّ ذلك يختصُّ بالله، فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم بِهِ، وليس لغيره، وذلك هو الوجه الذي اعتمده ابن النظر في قوله:

فبالله حقًّا يُقسم اللهُ ربُّنا … ... وبالخَلق مِمَّا شاء من خَلْقِه قَسَمْ

كَوَالتِّينِ بلْ والليل والطورِ مثله … ... وليس لِخلقٍ واسعًا غيره قَسَمْ

وأمَّا ما وقع مِمَّا يخالف ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم لأعرابيٍّ: «أفلح وأبيه إن صدق»، فقد أجيب عنه بأجوبة:

الأوَّل: الطعن في صحَّة هذه اللفظة، كما قال ابن عبد البرِّ إِنَّهَا غير محفوظة، وزعم أنَّ أصل الرواية: «أفلح والله» فصحفها.

<3/416> والثاني: أنَّ ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم دون قصد القسم، والنهي إِنَّمَا ورد في حقِّ من قصد حقيقة الحلف.

والثالث: أنَّه كان يقع في كلامهم على وجهين: للتعظيم والتأكيد، والنهي إِنَّمَا وقع عن الأَوَّل.

والرابع: أنَّ ذلك كان جائزًا ثمَّ نُسخ، فيحمل ذلك على الحال الذي كان قبل النسخ، وعليه أكثر الشرَّاح.

وتعقِّب بأنَّ دعوى النسخ ضعيفة لإمكان الجمع ولعدم تحقُّق التاريخ، وأحاديث الباب تدلُّ على أنَّ الحلف بغير الله لا ينعقد، لأنَّ النهي يدلُّ على فساد المنهيِّ عنه، وإليه ذهب الجمهور، وقال بعض الحنابلة: إنَّ الحلف بِنبيِّنا صلى الله عليه وسلم ينعقد وتجب الكفَّارة، والله أعلم.

قوله: «في رَكْبٍ»: كصحب، جمع راكب. وكان ذلك في غزاة غزاها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: «نهاكم أن تحلفوا بآبائكم»: في بعض الروايات: قال عمر: فحدَّثت قومًا حديثًا فقلت: «لا وأبي» فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفتُّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أنَّ أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خيرٌ من آبائكم، والتعبير بالهلاك يقتضي تحريم الفعل، والله أعلم.

١٬٣٢٨ / ١٬٤٧٩