الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣٧٩والحديث يدلُّ على وجوب الضيافة في الجملة؛ لأنَّه جعل ذلك من الإيمان، ويفيد أنَّ فعل خلافه ليس من الإيمان، وإنَّما هو فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولأنَّه جعل ما وارء الثلاث صدقةً، فإنَّه يدلُّ أنَّ ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعًا، وَهُوَ مذهب الأصحاب وبعض قومنا. وقال جمهور قومنا: ليس ذلك بواجب وإنَّما هو من مكارم الأخلاق، وقال بعضهم: إنَّ الوجوب كان في أوَّل الإسلام حين كانت المواساة واجبةً فلمَّا اتَّسع الإسلام <3/478> نسخ ذلك. وقال الخطابيُّ: إِنَّمَا كان يلزم ذلك في زمنه صلَّى الله عليه وسلَّم حيث لم يكن بيت مال، وأمَّا اليوم فأرزاقهم في بيت المال لا حقَّ لهم في أموال المسلمين، ولا دَلِيل على النسخ ولا على التخصيص بزمان دون زمان.
ثمَّ اختلف القائلون بالوجوب، فقال الليث بن سعد: تجب يومًا وليلةً، وَقِيلَ: الواجب من ذلك ما يسدُّ الرمق، وَقِيلَ: الوجوب على أهل الوبر، وهم أهل البادية دون أهل المدن؛ لأنَّ المسافر يُدرك حاجته فيها بالشراء دون البادية، واستدلُّوا على ذلك بما يروى أنَّ الضيافة على أهل الوبر، وقد قيل: إنَّه حديث موضوع لا أصل له. والله أعلم.
ماجاء في الحثِّ على صلة الجار
قوله: «بلغني»: الحديث رواه مالك في الموطَّأ عن زيد بن أسلم عن عمرو بن سعد بن معاذ عن جدَّته، وهي حواء بنت يزيد بن السكن، وقد تقدَّم ذكر <3/479> الحديث في جامع الصدقة من كتاب الزكاة، والغرض من ذكره هنا الحثُّ على صلة الجار ولو بالشيء اليسير، فإنَّه قد لا يوجد عند جاره من ذلك شيء، وقد يستعظم هذا ما يستحقره الآخر، وعلى تقدير أنَّه لا حقير عند الكلِّ فإنَّه يعدُّ صلة، ويكون سببًا لدفع الوحشة، وجلب الألفة، ودوام الصحبة، واستنزال البركة بامتثال أمر الشارع. ومثَّلَ لقلَّة ذلك بالكراع المحرق، فإنَّه قلَّما ينتفع بِهِ، ولله درُّ القائل: