الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣٨١قوله: «أو ليصمُتْ»: (بضمِّ الميم) أي يسكت، فإن من سكت نجا، وقيل بكسر الميم، والمحفوظ الأوَّل، ومعناه أنَّ المصدِّق بالثواب والعقاب المترتِّبين على الكلام في الدار الآخرة ليس له الخلوُّ من أحد الحالين؛ إمَّا أن يتكلَّم بما يحصل له منفعة فيغنم، أو أن يسكت عن شيء يجلب له ضرًا فيسلم، وللتنويع والتقسيم فيسنُّ له الصمت حتَّى عن المباح لأدائه إِلىَ محرَّم أو مكروه، وبفرض خلوه عن ذلك فهو ضياع للوقت فيما لا يعني، و“من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. وأفاد الحديث أنَّ قول الخير أفضل من الصمت لتقدُّمه عليه، وإنَّما أمر بِهِ عند عدم قول الخير، وقد <3/481> أكثر الناس في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثر من أن تدخل تحت حصر.
وحاصله أنَّ آفات اللسان أسرع الآفات للإنسان، وأعظمها في الهلاك والخسران، فالأصل ملازمة الصمت حتَّى تتحقَّق السلامة من الآفات، والحصول على الخيرات، فحينئذ تخرج تلك الكلمة مخطومة، وبأزمَّة التقوى مزمومة، وهذا من جوامع الكلم، لأنَّ الكلام كُلَّه خيرًا أو شرًّا آئلٌ إِلىَ أحدهما، فدخل في الخير كُلُّ مطلوب من فرضٍ ونفلٍ فأُذِنَ فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إِلَيْهِ، وما عدا ذلك مِمَّا هو شرٌّ أو يؤول إليه فأمر بالصمت عنه.
قوله: «ولا يؤذ جاره أبدًا»: أي لا يصدر منه أذى لجاره ما دام في جواره، لا بلسانه ولا بسائر جوارحه، ولا بدهائه وبوائقه، ولا يدخل الجنَّة من لم يأمن جاره بوائقه، فالإيذاء شامل لجميع أنواع الأضرار، حسِّيًا كان أو معنويًّا، وليس من الأذى كفُّه عمَّا يرتكبه بالتي هي أحسن على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكذلك موعظة الكافر بعرض الإسلام عليه، وإظهار محاسنه، والترغيب فيه برفق، أو موعظة الفاسق بما يليق بحاله برفق، فإن أفاد وإلاَّ هجره قاصدًا تأديبه مع إعلامه بالسبب.