الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣٨٣قوله: «لا يخفى عليه شيء»: أي لا يستر عليه شيء من المعروف. وفي نسخة القطب: “حتَّى ظننت أنَّه لا يبقى بعده شيء”. قال المحشِّي: ولعلَّ المعنى: لا يبقي بعد موته شيئًا موروثًا بأن يدفع لهم جميع ما عنده في حال حياته، أو يوصي له به أو نحو ذلك.
قلت: ولا ينافيه ما في حديث عائشة: “حتَّى ظننت أنَّه يورِّثه”، أي يأمرني بتوريثه، لأنَّ التوريث بعض الأشياء التي ظنَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّها لا تُخفى على الجار. على أنَّهم اختلفوا في هذا التوريث، فقيل: يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب، وَقِيلَ: المراد أن ينزَّل منزلة من يرث في البرِّ والصلة، والأظهر الأوَّل، فإنَّ الثاني استمرَّ، والخبر مشعر بِأَنَّ التوريث له لم يقع.
<3/484> والحديث يدلُّ على الرفق بالمملوك والإحسان إِلىَ الجار، وهما من مكارم الأخلاق، وقد كانوا في الجاهليَّة يبالغون في رعاية الجار وحفظ حقِّه. وحكى ابن عبد البرِّ عن أبي حازم بن دينار قال: كان أهل الجاهليَّة أبرَّ منكم بالجار، هذا قائلهم قال:
ناري ونار الجار واحدة … وإليه قبلي ينزل القِدرُ
ما ضرَّ جاري إذ أجاوره … أن لا يكون لِبابِه سترُ
طرفي أغضُّ لجارتي برزت … حتَّى يواري جارتي الخدرُ
وقال آخر:
وأغضُّ طرفي ما بدت لي جارتي … حتَّى يواريَ جارتي مأواها
واسم “الجار” يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدوَّ، والغريب والبلديَّ، والنافع والضارَّ، والقريب والأجنبي والأقرب دارًا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فالأعلى من اجتمعت فيه الصفات الأُوَل كُلُّها، ثُمَّ أكثرها، وهلمَّ جرَّا إِلىَ الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى، فيعطَى كُلٌّ حقَّه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فتترجَّح أو تساوي. وذُبِحَتْ لابن عمر شاةٌ، فأمر أن يهدى منها لجاره اليهودي، كما رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وحسَّنه.