الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣٩٧قوله: «ولا يحلُّ أن تحلب ماشية أحد من غير إذنه»: عاد ذكر الحكم بعد ذكر علَّته تأكيدًا وتقريرًا، واستخرجوا منه فوائد:
منها ذكر الحكم بعلَّته.
ومنها ضرب الأمثال في الكلام، واستعمال القياس في الأحكام، وأنَّ القياس لا يشترط في صحَّته مساواة الفرع للأصل بِكُلِّ اعتبار، بل ربَّما كانت للأصل مزيَّة لا يَضُرُّ سقوطها في الفرع إذا تشاركا في أصل الصفة، لأنَّ الضرع لا يساوي الخزانة في الحرز، ومع ذلك فقد ألحق الشارع الضرع المصرور في الحكم بالخزانة المقفلة في تحريم كلٍّ منهما بغير إذن صاحبه.
ومنها إباحة خزن الطعام إِلىَ وقت الحاجة.
ومنها أنَّ الشاة إذا كان لها لبن كان له قسط من الثمن.
ومنها أنَّ من حلب من ضرع ناقة أو غيرها مصرورة محروزة من غير ضرورة ولا تأويل ما يبلغ قيمة ما يجب فيه القطع أنَّ عليه القطع إن لم يأذن له صاحبها تعيينًا أو إجمالاً، لأنَّ الحديث قد أفصح بأنَّ ما في ضروع الأنعام جزء من الطعام، وحكى القرطبيُّ عن بعضهم وجوب القطع ولو لم يكن الغنم في حرز اكتفاء بحرز الضرع للَّبن وَهُوَ الذي يقتضيه ظاهر الحديث.
وقد جاء حديث عند قومنا يبيح ما منعه حديث الباب، وأجيب عنه بأنَّ حديث النهي أصحُّ، فهو أولى أن يعمل بِهِ، وبأنَّه معارض للقواعد القطعيَّة في تحريم مال المسلم بغير إذنه فلا يلتفت إليه.
ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه من الجمع، منها: حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم.
ومنها: تخصيص الإذن بابن السبيل دون غيره أو بالمضطرِّ دون غيره، وقيل: الإذن كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وحديث النهي أشار بِهِ إِلىَ ما سيكون بعده من التشاحح وترك المواساة، ومنهم من حمل النهي على ما إذا كان المالك أحوج من المارِّ، وهذا غير المرضيِّ، وما قبله أقرب منه. والله أعلم.
<3/503> ما جاء في منع القليل من أموال الناس وإن كان مشاعًا