الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٠١قوله: «لا تباغضوا»: أي لا تتعاطوا أسباب البغض، لأنَّ البغض لا يكتسب ابتداء، وَقِيلَ: المراد النهي عن الأهواء المضلَّة المقتضية التباغض، وَقِيلَ: بل المراد الأعمُّ من ذلك وتعاطي الأهواء ضرب منه، وحقيقة التباغض أن يقع بين <3/508> اثنين وقد يطلق إذا كان من أحدهما، والمذموم منه ما كان في غير الله، فإنَّه واجبٌ فيه، ويثاب فاعله، لتعظيم حقِّ الله، ولو كانا أو أحدهما عند الله من أهل السلامة؛ لأنَّا لم نكلَّف الغيب ولم نتعبَّد إِلاَّ بظاهر الأمر.
قوله: «ولا تحاسدوا»: أي لا يتمنَّى بعضكم زوال نعمة بعض، والحسد تمنِّي الشخص زوال النِّعمة عن مستحقٍّ لها، وَهُوَ أَعَمُّ من أن يسعى في ذلك أم لا، فإن سعى كان باغيًا، وإن لم يسع في ذلك ولاَ أظهره ولا تسبَّب في تأكيد أسباب الكراهة التي نُهي المسلم عنها في حقِّ المسلم، نُظر فإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يُعذر؛ لأنَّه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانيَّة، فيكفيه في مجاهدتها أنَّه لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها.
قوله: «ولا تدابروا»: أي لا تتعاطوا الإدبار بإعراض بعضكم عن بعض، وسمِّي الإعراض مدابرة لأنَّ من أبغض أعرض، ومن أعرض فقد ولَّى دبره، والمحبُّ بالعكس، وَقِيلَ: معناه لا يستأثر أحدكم على أحد، وسمِّي المستأثر مُدبِرًا لأنَّه ولَّى دبرَه حين يستأثر بشيء دون الآخر، وَقِيلَ: معنى التدابر المعاداة، تقول: دابرته، أي عاديته، وَقِيلَ: معناه لا تخاذلوا ولكن تعاونوا.
قوله: «وكونوا عباد الله إخوانًا»: أي اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا مِمَّا سبق ذكره وغير ذلك من الأمور المقتضية لذلك إثباتًا ونفيًا، وهذه الجملة تشبه التعليل لما تقدَّم، كأنَّه قال: إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانًا، ومفهومه: إذا لم تتركوها تصيرون أعداء.