شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٠٢

قوله: «عبادَ الله»: أي يا عبادَ الله، بحذف النداء، وفيه إشارة إِلىَ أنَّكم عبيد الله، فحقُّكم أن تتواخوا بذلك، وقال القرطبيُّ: “المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبَّة والمواساة والمعاونة والنصيحة”.

قوله: «ولا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه…» إلخ: يأتي شرحه في الحديث الذي يليه. وفي الحديث تحريم بغض المسلم والإعراض عنه وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب <3/509> شرعيٍّ، والحسد له على ما أنعم الله بِهِ عليه، والحثُّ على أن يعامله معاملة الأخ للنسب، وأن لا ينقِّب عن معائبه، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب وقد يشترك الحيُّ مع الميِّت في كثير من ذلك. والله أعلم.

ما جاء في النهي عن هجران المسلم فوق ثلاث

وذكر فيه حديث أبي سعيد عن أبي أَيُّوب، ففيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، وَهُوَ من لطائف الإسناد، رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم كلُّهم من حديث أبي أَيُّوب الأنصاري.

<3/510> قوله: «لا يحلُّ لمسلم»: أي لا يجوز له، فمن فعله آثم، لأنَّ نفي الحلِّ يثبت التحريم، ومرتكب الحرام آثم. قال ابن عبد البرّ: أجمعوا أنَّه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إِلاَّ إن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه، أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرَّة، فإن كان كذلك جاز، وربَّ هجر جميل خير من مخاطبة مؤذية. واستشكل بما صدر من بعض الصحابة في حقِّ بعض من الهجر فوق ثلاث مع علمهم بالنهي، فهجرت فاطمة أبا بكر حين منعها الميراث من أبيها، وذكر لها الخبر: “نحن معاشر الأنبياء لا نورث”. ونذرت عائشة أن لا تكلِّم ابن الزبير، ثمَّ دخل عليها بعد مدَّة برجلين من الصحابة فكلَّمته بعد الجهد الجهيد، وأعتقت لذلك أربعين رقبة، وكانت إذا تذكَّرت نذرها بعد ذلك تبكي حتَّى تبلَّ دموعها خمارها.

١٬٣٩٥ / ١٬٤٧٩