شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٠٣

وأجيب بأنَّ هنا مقامين أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب المهاجرة جملة، فيبذل السلام والكلام والمودَّة بِكُلِّ طريق، والأدنى الاقتصار على السلام دون غيره، والوعيد الشديد إِنَّمَا وقع لمن يترك المقام الأدنى، وأمَّا الأعلى فمن تركه من الأجانب فلا يلحقه الملام، بخلاف الأقارب، فإنَّه يدخل في قطيعة الرحم، وفيه مناقشة، لأنَّ ابن الزبير كان ابن أخت عائشة فله فيها رحم قريبة، ولهذا قال ابن الزبير: لا يحلُّ أن تنذري قطيعتي. وقد كانت عائشة قد علمت بذلك لَكِنَّهَا تعارض عندها هذا والنذر الذي التزمته، فلمَّا وقع من اعتذار ابن الزبير واستشفاعه ما وقع رجح عندها ترك الإعراض عنه واحتاجت إِلىَ التكفير عن نذرها بالعتق الذي تقدَّم ذكره، ثمَّ بعد ذلك يعرض عندها شكٌّ في أنَّ التكفير المذكور لا يكفيها فتظهر الأسف على ذلك، إمَّا ندمًا على ما صدر منها من أصل النذر المذكور، وإمَّا خوفًا من عاقبة ترك الوفاء بِهِ.

قوله: «أخاه»: يعني المسلم، وإفادة ذلك قصر الحكم على المسلمين وإباحته في غيرهم، وقد يباح في حقِّ المنافق والمجاهر بالفسق إذا اقتضت الأحكام ذلك، بل وقد يجب في مواضع الإصرار والعناد إن رجي قطع الفساد.

قوله: «فوق ثلاث ليال»: وفي رواية أخرى: “فوق ثلاثة أيَّام” فأفادنا ذلك <3/511> أنَّ الاعتبار بمضيِّ ثلاثة أيَّام بلياليها ملفَّقة، إذا ابتدأت مثلا من الظهر يوم السبت كان آخرها ظهر يوم الثلاثاء، ويحتمل أن يكون أوَّل العدَّة من ابتداء اليوم أو الليلة، والأوَّل أحوط.

وظاهره إباحة ذلك في الثلاث، وَهُوَ من الرفق، لأنَّ الآدميَّ في طبعه الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، والغالب أنَّه يزيد أو يقلُّ في الثلاث. وذكر الخطابيُّ أنَّ هجران الوالد لولده والزوج لزوجته لا يتقيَّد بالثلاث واستدلَّ بأنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرًا.

١٬٣٩٦ / ١٬٤٧٩