شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٠٥

واستشكل تسميته كذبًا بأنَّ الكذب من صفات الأقوال، وأجيب بأنَّ المراد عدم مطابقته الواقع، سواء كان قولاً أم لا، ويحتمل أنَّ المراد ما ينشأ عن الظنِّ، فوصف الظنِّ بِهِ مجاز.

قوله: «ولا تجسَّسوا ولا تحسَّسوا»: (بالجيم في الأولى والحاء في الثانية) قال الربيع: ولا تجسَّسوا: أي لا يتبعْ بعضكم عورة بعض، ولا تحسَّسوا: أي لا يمشِ أحدكم بالنمائم، وقال غيره: بالجيم البحث عن العورات، وبالحاء استماع حديث القوم، وَقِيلَ: بالجيم البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرِّ، وبالحاء البحث عمَّا يدرك بحاسَّة العين أو الأذن، وَقِيلَ: بالحاء تتبُّع الشخص لنفسه وبالجيم لغيره، وَقِيلَ: التجسس (بالجيم) تطلُّب أخبار الناس في الجملة، وذلك لا يجوز إِلاَّ للإمام الذي رتَّب مصالحهم وألقي عليه زمام حفظهم، فأمَّا عِرْض الناس فلا يجوز لهم ذلك إِلاَّ لغرض مصاهرة أو جوار أو مرافقة في سفر أو معاملة أو ما أشبه ذلك من أسباب الامتزاج، وأمَّا بالحاء فطلب الخبر الغائب للشخص، وذلك لا يجوز للإمام ولا لسواه. وَقِيلَ: هما لفظتان معناهما واحد، وَهُوَ البحث والتطلُّب لمعايب الناس ومساوئهم، إذا غابت واستترت لم يحلُّ أن يسأل عنها ولا يكشف خبرها، وأصل هذه اللفظة في اللغة من قولك: حسَّ الشيء إذا أدركه بحسِّه، وجسَّه من المجسَّة والمحسَّة. وقال ابن الأنباري: ذكر الثاني للتوكيد كقولهم: “بُعدًا وسحقًا”. وقال الخطابيُّ: أصل التي بالحاء من الحاسَّة أحد الحواسِّ الخمس، <3/514> وبالجيم من الجسِّ بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي أحد الحواسِّ، فيكون التي بالحاء أَعَمَّ، وإنَّما عطف الجملتين على قوله: “إِيَّاكُم والظنَّ” لأنَّ الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقَّق، فيتجسَّس ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك.

١٬٣٩٨ / ١٬٤٧٩