شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٠٦

وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ…﴾ الآية [الحجرات: 12]، فَدَلَّ سياقها على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدُّم النهي عن الخوض فيه بالظنِّ، فإن قال الظانُّ: أبحث لأتحقَّق قيل له: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾، فإن قال: تحقَّقته من غير تجسيس قيل له: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾.

قوله: «ولا تنافَسوا»: (بفاء ثمَّ مهملة)، كذا ضبطه المحشِّي وعليه أكثر الروايات، وفي بعض النسخ بالشين المعجمة بعد الفاء، وفي بعضها بالمعجمة بعد القاف، وهما متقاربتان في المعنى، ويناسبهما تفسير الربيع في قوله: “أي لا ينتقم بعضكم من بعض بما جعل فيه من السوء”، وفي نسخة القطب: “بما جاء فيه من السوء”، أي لا يشبث أحدكم عيوب صاحبه ليشفي غيظه، فالانتقام التشفِّي للنفس، والنفش: نشر ما كان ملتثمًا، ويطلق على كثرة الكلام والدعاوى، وعلى نسخة القاف فالنقش استقصاؤك الكشف عن الشيء، والمعنى: لا يستقص أحدكم كشف عيوب صاحبه ليشفي غيظه منه، وإن رويناه بالفاء والسين المهملة كما ضبطه المحشي كان النهي عن المنافسة، وهي الرغبة بالشيء، أي لا تتنافسوا حرصًا على الدنيا، إِنَّمَا التنافس في الخير، قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَالِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26] . وكلام الربيع لا يناسب هذا المعنى، إِلاَّ أن يقال: فَسَّرَ المنافسة بما تستلزمه من دواعي الشرِّ، فإنَّهم إن تنافسوا أفضى ذلك إِلىَ انتقام بعضهم من بعض، ووقع في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك عند البخاري: “ولا تناجشوا” بدل قوله: “ولا تنافسوا”، وكذا وقع في بعض طرق الحديث من وجه آخر.

١٬٣٩٩ / ١٬٤٧٩