شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٠٩

إذا عَرف الكذَّابُ بالكذب لم يكن … يصدَّق في شيء وإن كان صادقًا

فلمَّا عرف منه سوء حاله أثَّر في النفس سوء الظنِّ به في سائر أحواله، ويقال: إنَّ قرائن الأحوال تغلِّب أحدَ الجانبين، فإن ظهرت قرينة سوء وخبث ونكث العهد وما أشبه ذلك حصل معه سوء الظنِّ، وإن ظهرت قرينة صدق وصلاح ووفاء لم يظنَّ بِهِ ذلك وقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: 12] يشير إِلىَ هذا المعنى، وَهُوَ وجه الجمع بين هذا الأثر وبين ما تقدَّم من التحذير من سوء الظنِّ، وجاءت أحاديث في الاحتراس بسوء الظنِّ من الناس فتحمل على من ظهرت منه قرائن السوء، وَقِيلَ: إذا كان سوء الظنِّ على طلب السلامة من الناس لم يأثم صاحبه. والله أعلم.

<3/519> ما جاء أنَّ من حسد فلا يَبْغِ

قوله: «سمعتُ عن رسول الله»: الحديث مرسل، ومعناه عند ابن عديٍّ في الكامل من حديث أبي هريرة، وأخرج عبد الرزَّاق عن معمر عن إسماعيل بن أميَّة رفعه: “ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة والظنُّ والحسد، قيل: فما المخرج يارسول الله؟ قال: إذا تطيَّرت فلا ترجع، وإن ظننت فلا تحقِّق، وإذا حسدت فلا تبْغِ”. وعن الحسن البصري قال: “ما من آدميٍّ إِلاَّ وفيه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إِلىَ البغي والظلم لم يتبعه منه شيء”.

قوله: «من حسد فلا يبغِ»: أي من وقع الحسد في نفسه اضطرارًا طبيعيًّا فلا يعمل بمقتضاه، فإنَّ العمل بمقتضاه بغي، وما دون ذلك عفو، لأنَّه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانيَّة، فيكفيه في مجاهدتها أنَّه لا يعمل بها ولا يعزم على العمل، ويستثنى من ذلك إذا كانت النِّعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى، فله أن يتمنَّى زوال النِّعمة عنه إذ بزوالها تزول المعصية، وله أن يدعو الله عليه بزوالها، وليس هذا من الحسد المذموم، وإنَّما هو نوع من الجهاد.

١٬٤٠٢ / ١٬٤٧٩