شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٢١

<3/538> قوله: «ومن طريقه»: يعني أبا هريرة بالسند المتقدِّم، وذكره في نسخة القطب، والحديث رواه مالك في الموطأ، والبخاري ومسلم.

قوله: «ليس الشديد بالصُّرَعة»: (بضمِّ الصاد المهملة وفتح الراء) وَهُوَ الذي يكثر صرع الناس ولا يصرعونه، والهاء للمبالغة في الصِّفة، وَكُلُّ ما جاء بهذا الوزن فهو بالضمِّ والفتح، كهُمَزَة ولُمَزَة وحُفظَة وضُحَكة وخُدعة. والصرْعة (بسكون الراء) بالعكس وَهُوَ من يصرعه غيرُه كثيرًا، وَكُلُّ ماجاء بهذا الوزن بالضمِّ والسكون كهمْزة ولمْزة وما بعدهما. قال ابن التين: ضبطنا “الصُّرعة” بفتح الراء، وقرأه بعضهم بسكونها، وليس بشيء، لأنَّه عكس المطلوب، قال: وضبط أيضًا في بعض الكتب بفتح الصاد وليس بشيء. قال الباجي: ولم يُرِد نفيَ الشدَّة فإنَّه يعلم بالضرورة شدَّته، وإنَّما أراد أنَّه ليس بالنهاية في الشدَّة، وأشدُّ منه الذي يملك نفسه عند الغضب، أو أراد أنَّها شدَّة ليس لها كبير منفعة وإنَّما الشدَّة التي ينتفع بها شدَّة الذي يملك نفسه عند الغضب، كقولهم: لا كريم إِلاَّ يوسف، لم يرد بِهِ نفي الكرم عن غيره، وإنَّما أريد إثبات مزيَّة له في الكرم.

قوله: «الذي يملك نفسه عند الغضب»: أي لا يفعل موجبات الغضب. وإنَّما حصر الشدَّة فيه لأنَّه إذا ملك نفسه عن الغضب كان هو الشديد الكامل؛ لأنَّه قهر أكبر أعدائه؛ لأنَّ أذى ما عدا النفس دونها، لأَنَّهَا موجبة لعقوبة الله، وأقلها <3/539> أشدُّ من عقوبات الدُّنيا. وجاء في خبرٍ: “أعدى عدوٍّ لك نفسك التي بين جنبيك”.

والحديث من الألفاظ التي نُقلت عن موضوعها اللغوي بضرب من المجاز والتوسُّع، وَهُوَ من فصيح الكلام وبليغه؛ لأنَّه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شدَّة من الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته وعدم عمله بمقتضى الغضب كان من الصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه. والله أعلم.

١٬٤١٤ / ١٬٤٧٩