شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٢٩

وقيل: “من صحَّتْ مودَّتُه احتملت جفوته”، وقيل: “المداراة العفو عمَّن أذاه ولا يجازيه على صنيعه ولا سيما مع المقدرة على المجازاة”، وقيل: “المداراة بذل المال لأجل الدّين أو العِرْض، عكس المداهنة، فإنَّها بذل الدّين لأجل الدُّنيا فهي حرام”. ولا ينافيه ما جاء في صفته صلى الله عليه وسلم: “كان لا يداري ولا يماري”، لأنَّ هذا محمول على ترك إنكار المنكر والصَّدع بالحقِّ، وَهُوَ في معنى المداهنة، وَهُوَ صلى الله عليه وسلم <3/550> كان لا يداهن في أمر الله تعالى، بل كان ممتثلاً لأوامر رَبِّهِ تعالى، وقد قال عزَّ من قائل: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: 123]، وقال ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73]. فإن قيل: هل لحديث الباب شاهد من القرآن، إذ ما من حديث صحيح إِلاَّ وله من القرآن شاهد؟ أجيب بأنَّ شاهده قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً﴾ [المزَّمِّل: 10]، ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا﴾ [طه: 44]. فالهجر الجميل هو المداراة، والأمر بالقول الليِّن لفرعون من المداراة، وإنَّما أمروا بها في هذا الموضع ليتوصَّلوا بها إِلىَ تبليغ أمر الله تعالى ولهذا قال عزَّ من قائل: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. والله أعلم.

<3/551> ما جاء أنَّ أحبَّ الأعمال إِلىَ الله أدومها

الحديث روى معناه البخاري ومسلم، ففي البخاري عن مسروق: “سألتُ عائشة: أيُّ الأعمال أحبّ إِلىَ النبيء صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم”. وفي مسلم عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحبُّ الأعمال إِلىَ الله أدومها وإن قلَّ”. قيل: وَهُوَ بهذا اللفظ معدود من إفراد مسلم.

قوله: «أحبّ الأعمال»: أي أعمال الخير من الذكر والصلاة والصوم، وهي المعروفة بالأوراد، وذلك اسم لما اتَّخَذَه الإنسان بعد الفرائض.

١٬٤٢٢ / ١٬٤٧٩