شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٤٠

ومقتضى كلامه أنَّ مذهب الأصحاب على ذلك، والحديث صحيح، وتأويله بما مَرَّ مخالف لظاهر السياق ومخالف للمقصود منه، وتركيب الجسد من عجب الذنب لا ينافي مماثلة الإعادة للمبدأ، على أنَّ المبدأ كان كذلك أيضًا؛ لأنَّه منه خلق ومنه مركَّبٌ، فخلق العَجَب سابقٌ على سائر الجسد إعادةً ومبدأً، والقدرة واسعة، والحكمة بالغةٌ، والآيات ردٌّ على منكري البعث، فذكر لهم المبدأ ليستدلُّوا بِهِ على اتِّساع القدرة، ولا شكَّ أنَّ مبدأ الأشياء قبل وجودها أغرب من إعادتها بعد فنائها، <3/565> فلا تلزم المماثلة من كُلِّ وجه، غير أنَّ القطع بإعادة هذه الأجسام بعينها ما تفرَّق منها وما لم يتفرَّق فتعود إِلىَ حالها الأوَّل لما أراد الله بها من الثواب والعقاب، فإذا صحَّ معنا أنَّ الشارع أخبر بصفة الإعادة بشيءٍ من الأحوال وجب علينا قبول ذلك من غير أن نعارضه بعمومات تحتمل التخصيص، وإجمالات تحتمل التفصيل، فالاستثناء مُتَّصِل كما يقتضيه ظاهر الحديث. ولله في هذا سرٌّ لا نعلمه؛ لأنَّ من يظهر الوجود من العدم لا يحتاج إِلىَ شيء يبني عليه، فهو نظير خلق آدم من طين لازب، وخلق ذرِّيته من سُلالة من ماء مهين، وخلق الأشياء بعضها من بعض اقتضت حكمته تعالى ذلك، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: 255]، وَقِيلَ: الحكمة فيه أنَّ عجب الذنب قاعدة بدء الإنسان وأسُّه الذي يبنى عليه، فهو أصلب من الجميع كقاعدة الجدار، وإذا كان أصلب كان أدومَ لبقائه.

قوله: «منه خلق ومنه يُركَّب»: يعني أنَّ عجب الذنب أوَّل شيء خلق في الإنسان، فكان هو مبدأ خلقه في النشأة الأولى، وكذلك النشأة الآخرة فإنَّ الجسد منه يركَّبُ بعد تفرُّق أجزائه، فهو نظير البذر للزرع. ولله في هذا كله سرٌّ لا يُدرك كنهُه، والعلم عند الله.

ما جاء أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل

١٬٤٣٣ / ١٬٤٧٩