الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٤٤وَقِيلَ: معناه لم يدخل الجنَّة بسبب عقوقهما والتقصير في حقوقهما، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “رغم أنفه” ثلاثًا. قال الطيبي: ذلَّ وخاب وخسر من أدرك تلك الفرصة التي هي موجبة للفلاح والفوز بالجنَّة ثمَّ لم ينتهزها، وانتهازها هو ما اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلاَهُمَا…﴾ إِلىَ قوله: ﴿… وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]، فإنَّه دَلَّ على الاجتناب عن جميع الأقوال الْمُحَرَّمَة، والإتيان بجميع كرائم الأقوال والأفعال، من التواضع والخدمة والإنفاق عليهما ثمَّ الدعاء لهما في العاقبة.
قوله: «فلا أدركهما»: أي فكأنَّه لم يدركهما، وَهُوَ عبارة عن نفي <3/571> الانتفاع بهما، ومعناه: إن لم ينتفع بإدراكهما فإدراكهما وعدمه سواءٌ، فلا عبرة بالإدراك الحسيِّ، وإنَّما العبرة بالإدراك المعنويِّ، وهما ما يترتَّب عليه النفع في المعاش والمعاد.
قوله: «من هاجر أحد والديه»: أي من أمسك عن كلام أمِّه أو أبيه لقصد الهجران، أو فَعَلَ مع واحد منهما ما يوجب القطيعة، فإنَّه يكون بذلك من أهل النَّار إن لم يتُبْ.
قوله: «ساعةً من نهار»: عبارة عن قِلَّة الزمان، وَأَنَّ القليل من هجرهما كبيرة، فلا يسامح فيه ما يسامح في هجر الأخ في الدّين، فإنَّه قد تقدَّم أنَّه يسامح في ذلك إِلىَ ثلاث ليالٍ، ولا كذلك هجر الوالدين لعظم حقِّهما عليه، فكثير ذلك وقليله حرامٌ وكبيرةٌ، وقد نهى تعالى أن يقال لهما: “أفٍّ”، إذ هو كناية عن الإيذاء بأيِّ نوع كان حتَّى بأقلِّ أنواعه، ومن ثمَّ ورد أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: “لو علم الله شيئًا أدنى من أفٍّ لنهى عنه”.