شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٤٥

والحديثان يدلاَّن على تساوي الوالدين في الحقوق، وبه قال مالك وبعض الشافعيَّة، والمذهب عندنا وعند جمهور قومنا - حتَّى حكى الحارث المحاسبي الإجماع - عَلَى تفضيل الأمِّ في البرِّ، وفي حكاية الإجماع نظر، وحجَّتنا على ذلك ذكر حديث أبي هريرة عند الشيخين: “قال رجل يا رسول الله: من أحقُّ بحسن صحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثمَّ من؟ قال: أمُّك، قال: ثمَّ من؟ قال: أمُّك، قال: ثمَّ من؟ قال: أبوك”. والله أعلم.

<3/572> ما جاء في ذي الوجهين

قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم، ويسند مالك فيه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة… الخ.

قوله: «شرُّ الناس»: وفي رواية مالك: “من شرِّ الناس”، والمراد كلُّ الناس، فهو مبالغة في الذم، وَقِيلَ: المراد بالناس الطائفتان اللتان يسعى بينهما ذو الوجهين.

قوله: «ذو الوجهين»: أي صاحب الجهتين يعني المدح والذمَّ. وإطلاق الوجه على هذا المعنى مجاز، وَهُوَ في الحديث مفسَّرٌ بقوله: “يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ”. وفي رواية مالك: “الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ… ” الخ فَهي أصرح في التفسير، ورواية المصنِّف أظهر في التعليل؛ وذلك أنَّه يظهر عند كُلِّ واحدة من الطائفتين أنَّه منهم ومخالفٌ للآخرين مبغضٌ لهم. وفي رواية: “الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء”.

<3/573> قال القرطبي: “إِنَّمَا كان من شرِّ الناس لأنَّ حاله حال المنافقين، إذ هو يتملَّق بالباطل وبالكذب، مدخلٌ للفساد بين الناس”. وقال النووي: “لأنَّه يأتي كُلَّ طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنَّه منها ومخالف لضدِّها، فصنيعه نفاق محضٌ وكذبٌ وخداعٌ وتحيُّلٌ على الاطِّلاَع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمةٌ”.

١٬٤٣٨ / ١٬٤٧٩