الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٥٢وبالجملة فالفقه جمعُ أحاديث الباب فحقُّ الناظر أن يستحضر جميعها وينظر أخصَّها فيستنبط الحكم بِهِ وأخصّها باعتبار ترتُّب الحكم عليه يومٌ، لأنَّه إذا امتنع فيه امتنع فيما فوقه، ثمَّ <3/582> أخصّ من يوم وصف السفر المذكور في غالبها، فيمنع أقلُّ ما يصدق عليه اسم السفر، ثمَّ أخصّ من اسم السفر الخلوة بها، فلا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع واحد، وإن قل الزمن لعدم الأمن لاسيما مع فساد الزمن، والمرأة فتنة إِلاَّ فيما جبلت عليه النفوس من النفرة عن المحارم.
قوله: «إِلاَّ مع ذي محرم منها»: والمَحرَم (بفتح الميم) حرام التزويج منها بنسب أو صهر أو رضاع. زاد الشيخان من حديث أبي سعيد: “أو زوج”، وفي معناه السَّيِّد والأمَة، ولو لم يرد ذكر الزوج لقيس على المحرم قياسًا جليًّا، وكره مالك كراهة تنزيه سفرها مع ابن زوجها، ثمَّ اختلف أصحابه في وجه ذلك، فقيل: لفساد الزمان وحداثة الحرمة، ولأنَّ الداعي إِلىَ النفرة عن امرأة الأب ليس كالداعي إِلىَ النفرة عن سائر المحارم، والمرأة فتنة إِلاَّ فيما جبلت عليه النفوس من النفرة عن محارم النسب، وَقِيلَ: لعداوة المرأة لربيبتها وعدم شفقته عليها.
واستُدلَّ بالحديث لأبي حنيفة وأحمد ومن وافقهما على أنَّ المحرم أو الزوج شرط في استطاعة المرأة للحجِّ، فإنَّه حُرِّم عليها السفر إِلاَّ مع أحدهما، والحجُّ من جملة الأسفار، فيكون حرامًا عليها فلا يجب. وقال أصحابنا ومالك والشافعي في <3/583> المشهور عنهما وطائفة: لا يشترط المحرم لأنَّ الوجوب متوجِّه إليها بنفس الخطاب وعليها أن تتَّقي في سفرها ما نهيت عنه.