شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٦٠

<3/594> قوله: «لن يدخل الجنَّة أحدٌ بعمله»: أي بسبب عمله المجرَّد عن رحمة الله تعالى، لكن يدخلها بالعمل المقرون بالرحمة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “ولا أنا إِلاَّ أن يتغمدَّني الله برحمته”. وبهذا المعنى يحصل الجمع بين الحديث وبين الآيات الدالَّة على دخولها بالأعمال، كما في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72] وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17] في أمثالها من الآيات، وذلك أنَّ التوفيق للعمل من رحمة الله تعالى، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطّاعة التي تحصل بها النجاة. وهنالك أوجه أخر في الجمع بينهما، منها: أنَّ منافع العبد لسيِّده، فعمله مستحقٌّ لمولاه فمهما أنعم الله عليه من الجزاء فهو من فضله.

ومنها: أنَّه جاء في بعض الأحاديث ما يُفَسِّرُ دخول الجنَّة برحمة الله وانقسام الدرجات بالأعمال.

<3/595> ومنها أنَّ أعمال الطّاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد، والإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال.

ومنها: أنَّ العمل من حيث هو عمل لا يستفيد بِهِ العامل دخول الجنَّة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك فأمر القبول إِلىَ الله تعالى، وإنَّما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فَمَعنَى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: [الزخرف: 72]، أي: تعملونه من العمل المقبول.

قوله: «قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ »: سألوا عن هذا لما يعلمون أنَّ أجره في الطّاعة أعظم، وعمله في العبادة أقوم، ولاحتمال أن يكون قد خُصَّ من بينهم بهذا المعنى كما خصَّ بالقرب من الربّ عزَّ وعلا.

١٬٤٥٣ / ١٬٤٧٩