الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٦٣<3/599> قال البلقيني: جاء الوعيد في أحاديث كثيرة بأنَّ “من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار”، وقال العلماء: إنَّها بلغت حدَّ التواتر. قال البزار: رواه مرفوعًا نحو من أربعين صحابيًّا. وقال ابن الصلاح: إنَّه حديث بلغ حدَّ التواتر، رواه الجمُّ الكثير من الصحابة، قيل: إنَّهم يبلغون ثمانون نفسًا. وجمع ابن حجر طرقه في جزء ضخم قيل رواته فوق سبعين صحابيًّا، وذكر أنَّ من جملة من رواه العشرة إِلاَّ عبد الرحمن بن عوف، وبلغ بهم الطبراني وابن منده سبعة وثمانين، منهم العشرة.
قوله: «من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار»: أي جزاؤه النار، وَمَعنَى “يتبوَّأ”: يتَّخذ مكانًا، يقال: تبوَّأ الرجل المكان إذا اتَّخَذَه سكنًا. وَهُوَ أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد، لأنَّ الغرض الإخبار عن منزله في النار، وليس المراد حقيقة الأمر، لكن لما كان الكاذب يتعمَّد الكذب عن قصد واختيار نزل منزلة من قصد إِلىَ اتِّخَاذ بيت في النَّار، وقيل: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: من كذب فليأمر نفسه بالتبوُّء.
وقال الطيبي: فيه إشارة إِلىَ معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنَّه قصد في الكذب التعمُّد فليقصده في جزائه التبوُّء، فإن قيل: الكذب معصية إِلاَّ ما استثني للإصلاح وغيره، والمعاصي قد توعِّد عليها بالنار فما الذي امتاز بِهِ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد على من كذب على غيره؟.