الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٦٤<3/600> أجيب بأنَّه لا يلزم من استواء الوعيد في حقِّ من كذب عليه وكذب على غيره أن يكون مقرُّهما واحدًا، لأنَّ النَّار دركات، والمعاصي تتفاوت، والعقوبة على قدر الجناية، ولا يظلم ربُّك أحدًا. وفي البخاري ومسلم من حديث المغيرة: “إنَّ كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد”، فقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم الفرق بين الكذبين، ومن هاهنا اختلف قومنا في تشريك الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قبول توبته، وعندنا أنَّه لا يشرك بل يكفر كفر نعمة، وأنَّ توبته بشرطها مقبولة، ولا يلزم من التشديد في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إباحة الكذب على غيره، بل يستدلُّ على تحريم الكذب على غيره بأدلَّة أخر من الكتاب والسنَّة.
والحديث يدلُّ على القطع بعذيب أهل الكبائر وتخليدهم في النار، وَهُوَ حجَّة على من خالفنا في ذلك. والله أعلم.
قوله: «وليس بمخترع ذلك ويفعله»: المخترع (بضمِّ الميم وسكون المعجمة وكسر الراء): فاعل من الاختراع، وَهُوَ إنشاء الشيء وابتداؤه، والمعنى ليس المراد من قوله: “فليتبوَّأ” الأمر بإنشاء منزل له في النار، وإنَّما المراد أنَّ جزاءه مكان في النار، وهذا هو المعنى الذي قَدَّمت ذكره وإن اختلفت العبارة.
قوله: «ذلك جزاؤه»: وفي بعض النسخ: “وَإِنَّمَا أراد جزاؤه…” إِلىَ آخره، بإسقاط الإشارة، وعلى نسختنا فيكون قوله: “مكانًا يَتَّخِذُه” تفسيرًا للجزاء، فينبغي الوقف على “جزاء”. والله أعلم.
<3/602> قوله: «عن يحيى بن كثير»: تقدَّم ذكره في الجزء الأوَّل.