شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٨٢

قوله: «فرتِّله ترتيلاً»: أي اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من سماعها وفهمها، وترتيل القراءة: الترسُّل فيها والتبيين بغير مجاوزة للحدِّ، وقيل: الترتيل رعاية مخارج الحروف وحفظ الوقوف، وقيل هو خفض الصوت والتحزين بالقراءة، وفي حديث حفصة عند المصنِّف وغيره أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ السورة فيرتِّلها حتَّى تكون أطول من أطول منها. وقال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: كان يمدُّ مدًّا، والأمر بالترتيل للاستحباب عند أكثر العلماء، وفائدته تدبُّر القارئ وتفهُّم معانيه.

<3/624> وفصَّل مالك فقال: من الناس من إذا هذَّ كان أخفَّ عليه، وإذا رتَّل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن، قال: والناس في هذا على قدر درجاتهم، وما يخفُّ عليهم وكلٌّ واسع. وقد روي عن جماعة من السلف أنَّهم كانوا يختمون القرآن في ركعة وهذا لا يتأتَّى إِلاَّ بالهذِّ.

قوله: «ولا تغنُّوا بِهِ»: أي لا تمدُّوا الصوت بالقراءة مدًّا يشبه الغناء، وَهُوَ الإفراط في الترسُّل فيشمل الترجيع والتضريب، والترجيع عبارة عن ترديد الصوت في الحلق كقراءة أصحاب الألحان، والتضريب: عبارة عن مدِّ الصوت وتحسينه.

والحاصل أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بالترتيل ونهى عن التغنِّي، وعلَّل بقوله: “إِنَّ الله يحبُّ أن تسمع الملائكة لذكره”، وهذا يفيد أنَّ الملائكة تستمع للترتيل دون التغنِّي، فإنَّهم ينفرون عنه، وذلك يقتضي المنع، فإنَّ حضورهم مطلوب، وعلى المنع أكثر العلماء، وخالف أبو حنيفة والشافعي واحتجُّوا بحديث فيه: “زيِّنوا القرآن <3/625> بأصواتكم”، وآخر فيه: “من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منَّا”.

١٬٤٧٥ / ١٬٤٧٩