الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٨٣والجواب أنَّ تزيين الصوت لا ينحصر في التغنِّي بل يكون في الترتيل أيضًا، وأمَّا قوله: “من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منَّا”، فمعناه أنَّ من لم يستغن به عن غيره من كتب اليهود والنصارى وأضرابهم يقال: تغنَّيت وتغانيت واستغنيت، وقيل: أراد من لم يجهر بالقراءة فليس منَّا، وقد جاء مفسَّرًا في حديث آخر: “ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهر بِه”. قيل: إنَّ قوله: “يجهر بِهِ” تفسير لقوله: “يتغنَّى بِهِ”. قال ابن الأعرابيِّ: كانت العرب تتغنَّى بالركبان إذا ركبت، وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلمَّا نزل القرآن أحبَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أن تكون هجِّيراهم بالقرآن مكان التغنِّي بالركبان، ومعناه: اجعلوا مكانَ غنائكم تلاوة القرآن، وَأَوَّل من قرأ بالألحان عبيد الله بن أبي بكرة، فورثه عنه عبيد الله بن عمر، ولذلك يقال: قراءة العمري، وأخذ عنه ذلك سعيد بن العلاف، وسمع سعيد بن المسيب عمر بن عبد العزيز يؤمُّ الناس فضرَّب في قراءته، فأرسل إليه سعيد: أصلحك الله، إنَّ الأئمَّة لا تقرأ هكذا! فترك عمر التضريب بعد ذلك. وقرأ رجلٌ في المسجد النبويِّ فضرَّب، فأنكر ذلك القاسم بن محمَّد وقال: يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]
<3/626> وقال مالك: إِنَّمَا هو غناء يتغنَّون بِهِ ليأخذوا عليه الدراهم.