شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٤٨٤

وقال ابن قتيبة: كان الناس يقرؤون بلغاتهم، ثمَّ خلف من بعدهم قومٌ من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلُّم. فهفوا في كثير من الحروف وزلُّوا وأخلُّوا، قال: ومنهم رجل ستر الله عليه عند العوامِّ بالصلاح وقرَّبه من القلوب بالدين، فلم أرَ فيما تتبَّعتُ من وجوه قراءته أكثر تخليطًا ولا أشدَّ اضطرابًا منه، لأنَّه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثمَّ يوصل أصلاً ويخالف إِلىَ غيره بغير علمٍ، ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إِلاَّ على طلب الحيلة الضعيفة، هذا إِلىَ نبذه في قراءة مذاهب العرب وأهل الحجاز بإفراطه في المدِّ والهمز والإشباع وإفحاشه في الإضجاع والإدغام، وجملة المتعلِّمين على المذهب الصعب وتعسيره على الأمَّة ما يسَّره الله تعالى، وتضييقه ما فسَّحه. قال: ومن العجب أنَّه يرى الناس بهذه المذاهب ويكره الصلاة بها، ففي أيِّ موضع يستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها، وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ في صلاته يحرِّفه أو أتمَّ بإمام بقراءته أن يعيد، قال: ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين، قال: وقد شغف بقراءته عوامُّ الناس وسوقتهم، وليس ذلك إِلاَّ لما يرونه من مشقَّتها وصعوبتها وطول اختلاف المتعلِّم إِلىَ المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف في أمِّ الكتاب عشرًا وفي مائة آية شهرًا، وفي السبع الطُّوَل حَولاً، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين دائر الوريدين راشح الجبين توهَّموا أنَّ ذلك لفضله في القراءة وحذقه بها، وليست هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خيار السلف ولا التابعين ولا القرَّاء العالمين، بل كانت سهلة. هذا كلامه وَهُوَ من الحسن في نهايته، ومن الإنصاف في غايته، ومن تأمَّل هدْيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره أهل كلِّ لسان على قراءتهم تَبَيَّنَ له أنَّ التنطُّع والتشدُّق ليس من سنَّته. والله أعلم.

١٬٤٧٧ / ١٬٤٧٩