الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٠الخفّين، ولا نزاع عند القوم أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة، فلولا أنّه عرف أن الخبر بذلك ضعيف لما أنكره، وجابر بن زيد عند الكلّ أعلم بالكتاب والسنة ممّن بعده وأعلم من كثير ممّن كان في عصره، وقد أدرك الصحابة وسألهم وطلب ذلك الحكم فلم يجده عند أحد منهم، ثم استدلّ على استبعاده بوجوب الوضوء في آية المائدة، فإنّ المسح على الخفّين غير غسل الرجلين وغير مسحهما أيضا، فليس المسح على الخفّين مسحًا على الرجلين؛ مع أنّا نوجب غسلهما للبيان الوارد عن رسول الله صلّى الله عليه وسّلم في صفة الوضوء، ووافقنا على إنكاره كثير من الناس منهم العترة جميعا في ما قيل، والإمامية من الشيعة والخوارج وأبو بكر بن داود الظاهري، واستدلّوا أيضا بآية المائدة التي استدلّ بها جابر، وبقوله صلّى الله عليه وسّلم لمن علّمه الوضوء، "واغسل رجلك"، ولم يذكر المسح، وقوله بعد غسلهما: "لا يقبل الله الصلاة من دونه"، وقوله: "ويل للأعقاب من النار"، قال أبو سعيد: مسح الخفّين إمّا بدعة أو منسوخ، قلت: لكنّ كلام جابر ونقله عن الصحابة يشعر بأنه لم يكن شيئاً، وقال كثير من الناس: إنّ الأخبار بذلك منسوخة بالمائدة، وفي بعض كتب قومنا أنّ الأمير الحسين ساق قصّة في الشفاء فيها المراجعة الطويلة بين علي وعمر، واستشهد على اثنين وعشرين من الصحابة فشهدوا بأنّ المسح كان قبل المائدة لكن قال بعضهم: لم أر هذه القصة في شيء من كتب الحديث، وقد قال بجواز المسح على الخفين كثير من قومنا، وأجمع الكل على أنّه غير واجب، فتركه أحوط على تقدير القول بجوازه؛ لأنّ الوضوء ثابت من الكتاب، وهو واجب بإجماع الأمة، فالآخذ به آخذ بالكتاب والسنة والإجماع، <1/179> والتارك لبعضه مخالف لظاهر الكتاب، مخالف لأهل الحق من أهل الاستقامة واقع في خطر النزاع، فلا عبرة بقول ابن المنذر أنّ المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن فيه