شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

قوله: «بدأ فغسل يديه»: قال المحشي: يعني بعد إراقة البول والاستبراء والاستنجاء، ولعلّه فهم هذا من قول الراوي آخر الحديث، وهذا بعد الاستنجاء، قال المحشي: فإن اغتسل من غير إراقة البول فإنّه إن خرج منه شيء بعد ذلك يعيد الغسل دون الصلاة إن كان قد صلّى، ولابدّ من تقديم النية كما يدلّ عليه قول عائشة: «إذا أراد الغسل» فإنّه مشعر بتقدّم الإرادة وهي نفس النية والقصد، ثمّ يتمضمض ويستنشق لوجوب ذلك عليه في الغسل لأنّا قد أُمِرنا بإنقاء البشر، كما في الحديث الآتي عن ابن عباس رضي الله عنه، والغرض من إنقائها المبالغة في غسلها حتّى لا يفوت منها شيء، ومن المعلوم أنّ داخل الفم والأنف من البشرة لسهولة مباشرتهما للأشياء، فلا يُقال: إنّهما من البواطن، إذ لوكانا كذلك ما أُمِرنا بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء؛ كمالم نُؤمر بإيصال الماء إلى ما وراء الحلقوم، فلمّا افترق الحكم علمنا أنّ ما دون الحلقوم من أحكام البشرة والأنف مثله، ثمّ أنّ قولها رضي الله عنها «ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصلاة»: يدخل تحته المضمضة والاستنشاق أيضا فيدخلان تحت كيفية الغسل الواجب ويبقى سائر أفعال الوضوء فضلا مستحبا إن لم يكن للصلاة، وإّنما كان لنفس الغسل، فاختصاص أعضاء الوضوء بذلك سنّة مستقلّة كما يظهر من هذا الحديث وإن لم يكن وقت صلاة كما يدلّ عليه قولها كما يتوضّأ للصلاة، فإنّه لو كان ذلك مختصًّا بوقت الصلاة لقالت: ثمّ يتوضّأ<1/192> للصلاة، والحال أنّها لم تقل ذلك فعلمنا أنّه وضوء مستقلّ، وقال بعض الشافعيّة: إنّ هذا الوضوء من نفس الغسل فيكتفى به عن إعادة الماء عند غسل باقي الجسد، وإنّما قدّم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها وليحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، وهو غير بعيد على قواعد المذهب؛ بل يشير إليه كلام بعض علمائنا رحمهم الله تعالى، وإن كان وقت صلاة فاغتسل كما أُمر من وضوء وغيره فله أن يصلّيَ بذلك الغسل المشتمل على هيئة

٢٢٦ / ١٬٤٧٩