الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧قوله: «والأذان مثنى مثنى»: أي مرّتين مرّتين فهو معدول على اثنين اثنين، ممنوع عن الصرف للوصف والعدل، فمثنى الثاني مؤكِّد، لأنّ الأوَّل يفيد تثنية كلِّ لفظ، وحكموا للتثنية في التكبير بحكم الكلمة الواحدة، ولذلك يقول المؤذن كلَّ تكبيرتين في نفَس واحد، فالتكبير مربَّع، كما صرَّح به حديث عبد الله بن زيد الأنصاريِّ الرائي لهيئة الأذان في نومه، فكان ذلك سببا لمشروعيَّته. وقد وافقنا على تربيع التكبير أبو حنيفة والشافعيُّ وأحمد وجمهور العلماء، واحتجّوا بحديث عبد الله بن زيد المشار إليه وبعمل أهل مكّة، وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم. وذهب مالك وأبو يوسف إلى تثنية التكبير فقط، واحتجّوا بما جاء في بعض الطرق من حديث عبد الله بن زيد، فقد جاء في بعضها غير مربّع، وبحديث أبي محذورة في رواية مسلم عنه، وفيه أنّ الأذان مثنى فقط، وبأنّ التثنية عمل أهل المدينة، قالوا: وهم أعرف بالسنَّة، وبحديث أمره صلّى الله عليه وسلّم لبلال بتشفيع الأذان وإيتار الإقامة، والحقُّ أنّ روايات التربيع أرجح لصحّة مخرجها، واشتمالها على الزيادة، وهي مقبولة عندهم، وعملُ أهل المدينة لا يكفي مرجِّحاً، لتخلّف أحوالهم بعد انقراض صدرهم الأوَّل رحمة الله عليهم، وقد تحكَّمت عليهم الجبابرة، وامتثلوا أوامرهم، والتزموا طاعتهم، ولكل دولة هوى، ولكلّ أمّة اختيار. ثمَّ إنّ المراد من كون الأذان مثنى مثنى ما عدا كلمة التوحيد في آخره لحديث عبد الله بن زيد المشار إليه، وكذلك التكبير الذي في آخر الأذان، فإنّه عندنا غير مربَّع بل مثنى في ذلك، لما في ذلك الحديث أيضاً، فإنّه قال فيه بعد الحيعلتين: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاَّ الله".