الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣١٨قوله: «هكذا سمعتها»: أي على هذه الحالة التي أمليتها لكم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأها، فهي من القراآت الشاذَّة التي لم يتواتر نقلها، ولا تصحّ قراءتها في الصلاة؛ لأنّها لم تبلغ رتبة القرآن في النقل، فلا تعطَى حكم القرآنيَّة في أداء العبادة أو أحكام التلاوة. وهل يحتجّ بها في إثبات الحكم أم لا؟ قيل: يحتجُّ بها؛ لأنّها خبر آحاد، فلا أقلَّ من قبولها إذا صحّ الخبر، فلا يمكن إلغاؤها رأساً. وقيل: لا يحتجّ بها، لأنّ الراوي لم يروها على أنّها خبر فقط، وإنّما رواها على أنّها قرآن، والقرآنيَّة لا تثبت بالآحاد بل بالتواتر فقط؛ وعلى الأوّل الحنفيّة وغيرهم، وعلى الثاني الشافعيَّة، والخلاف مبسوط في الأصول. قلت: ويحتمل أنّ عائشة لم ترد نقل القرآنيَّة، وإنّما أرادت نقل التفسير فقط، وإنّما أمرت بإثباته في مصحفها لئلاَّ تنساه، وليعلمه مَنْ بعدَها، وإن كان هذا الاحتمال يبعده ما كانوا عليه من شدّة التحرّز عن إثبات شيء في المصحف لم يكن قرآنا، فإنّه يقرّبه أنّها أثبتته في مصحفها الخاصِّ بها دون غيره، فإذا رآه الناظر علم أنّه تفسير حيث لم تثبت الزيادة في غيره، والله أعلم.
الباب التاسع والعشرون في فرض الصلاة في الحضر والسفر
قوله: «في فرض الصلاة في الحضر والسفر»: أمّا الحضر (بفتحتين) فهو خلاف البدو. والحاضرة <1/264> ضدُّ البادية وهو المدن والقرى، والريف والبادية ضدُّها، يقال: فلان من أهل الحاضرة وفلان من أهل البادية. والحِضارة (بالكسر): الإقامة في الحضر، كذا عن أبي زيد، وقال الأصمعيُّ: هو بالفتح، وأراد المرتِّب بالحضر ما قابل السفر، وهو نفس الوطن، كان في حاضرة أو بادية، وإنما عبّر بالحضر تغليباً أو مراعاة للأصل الذي نزلت فيه الصلاة، فإنّها نزلت على قوم هم أهل قرى، ثمَّ دخل أهل البادية في حكمهم لعموم الخطاب، ولبناء الإسلام على خمس منها: إقامة الصلاة.