شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٠٩

قال: فما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين، والطين تأكله النار؟ قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب؛ ثُمَّ أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فجمعه بين يديه؛ فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتتَّقي به فَزَع يوم القيامة فصالح؛ وإلاَّ ففزعة واحدة تُذهل كلَّ مرضعة عمَّا أرضعت، ولا خير في شيء جُمع للدنيا إلاَّ ما طاب وزُكِّى؛ ثُمَّ دعا الحجاج بالعود والناي، فلمَّا ضُرب بالعود ونفخ في الناي بَكَى سعيد؛ فقال: ما يبكيك هو اللعب؟ قال سعيد: هو الحزن؛ أمَّا النفخ فذكَّرني يوما عظيما، يوم النفخ في الصور؛ وأمَّا العود فشجرة قُطعت في غير حقٍّ؛ وأمَّا الأوتار فمن الشاء تُبعث معها يوم القيامة. قال الحجاج: ويلك يا سعيد. قال: لا ويل لِمن زحزح عن النار وأُدخل الجنَّة. قال الحجاج: اختر يا سعيد أيُّ قتلة أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجَّاج فوالله لا تقتلني قتلة إلاَّ قتلك <1/332> الله مثلها في الآخرة. قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو فمِن الله؛ وأمَّا أنت فلا براءة لك ولا عذر. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه، فلمَّا خرج ضحك، فأُخبر الحجَّاج بذلك فردَّه؛ فقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك؛ فأمر بالنطع فبُسِط، وقال: اقتلوه. فقال سعيد: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: 79]، قال: وجهوا به لغير القبلة. قال سعيد: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [سورة البقرة: 115]. فقال: كبُّوه لوجهه. قال سعيد: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ، وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ، وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً اُخْرَىا﴾ [سورة طه: 55] قال الحجاج: اذبحوه.

٤٠٩ / ١٬٤٧٩