الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٥قوله: «ذات يوم» قال في شرح الموطأ وفي رواية حماد بن زيد عن يحي بن سعيد: أنَّ ذلك <1/337> كان في رمضان، والنبيء صلى الله عليه وسلم معتكف في قبَّة على بابها حصير، والناس يصلُّون عُصَبا عُصَبا" أخرجه ابن عبد البر، وفي رواية أبي سعيد عند أبي داود قال: "اعتكف صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يَجهرون بالقراءة، فكشف الستر فقال: ألا إنَّ كلَّكم يناجي ربَّه فلا يؤذينَّ بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" أو قال: "في الصلاة".
قوله: «يناجي ربَّه» قيل: مناجاة المصلِّي ربَّه عبارة عن إحضار القلب، والخشوع في الصلاة. وقيل: هي إخلاص القلب، وتفريغ السر بذكره وتحميده وتلاوة كتابه في الصلاة. وقيل: هي ما يقع منه من الأفعال والأقوال المطلوبة في الصلاة، وترك الأفعال والأقوال المنهيِّ عنها، ومناجاة الرب لعبده إقباله عليه بالرحمة والرضوان، وما يفتحه عليه من العلوم والأسرار. وفيه تنبيه على معنى الصلاة، والمقصود بها ليَكثرُ الاحتراز من الأمور المكروهة المدخلة للنقص فيها، والإقبال على أمور الطاعة المتمِّمة لها.
قوله: «فلينظر ما يناجيه به» أي فليتأمَّل في معنى ما يُناجيه به من القول على سبيل التعظيم، ومواطأة القلب اللسان، والإقبال إلى الله، وذلك إنَّما يحصل إذا لم يُنازعه صاحبه بالقراءة، ومن ثَمَّ عقَّبه بقوله: "ولا يَجهر بعضكم على بعض…" الخ.
قوله: «ولا يَجهر بعضكم على بعض بالقرآن» وإذا امتنع الجهر بالقرآن لعلَّة الاشتغال، فالمنع من الجهر بالحديث، وكلام الناس أولى، والنهي يتناول من هو داخل الصلاة وخارجها. قيل: وعُدِّي بـ: "على" لإرادة معنى الغلبة، أي: لا يغلب ولا يشوِّش بعضكم على بعض جاهرا بالقراءة، والبعض أعمُّ من مصلٍّ أو نائم أو قارئ.