شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٥٣

قوله: «فابدءؤوا بالعَشَاء»} أي بأكله. قال ابن حجر: حمل الجمهور هذا الأمر على الندب ثُمَّ اختلفوا؛ فمنهم من قيَّده بمن كان محتاجا إلى الأكل، وهو المشهور عند الشافعية، وزاد الغزالي ما إذا خَشِي فساد المأكول. ومنهم من لم يقيِّده وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، وعليه يدلُّ فعل ابن عمر. وأفرط ابن حزم فقال: تبطل الصلاة. ﴿ومنهم﴾ من اختار البدءأ بالصلاة إلاَّ أنَّ إن كان الطعام خفيفا، نقله ابن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل، قالوا: يبدأ بالصلاة أنَّ إن لم يكن متعلَّق النفس بالأكل، أو كان متعلِّقا به لكن لا يعجِّله عن صلاته؛ فإن كان يعجِّله بدأ بالطعام، واستحب له الإعادة. ﴿وقال النووي: في هذه الأحاديث﴾ كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لِما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلحق به ما في معناه مِمَّا يشتغل القلب، واستدلَّ به القرطبي على أنَّ شهود صلاة الجماعة ليس بواجب؛ لأنَّ ظاهره أنَّه يشتغل بالأكل، وأنَّإن فاتته الصلاة في الجماعة. ﴿ورُدَّ﴾ بأنَّ بعض من ذهب إلى الوجوب جعل حضور الطعام عذرا في ترك الجماعة؛ فلا دليل بفيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقا. ﴿وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع﴾ في الصلاة على فضيلة أوَّل الوقت. وقال ابن الجوزي: ظنَّ قوم أنَّ هذا من باب تقديم حقِّ العبد على حقِّ الله، وليس كذلك؛ وإنَّما هو صيانة لحقِّ الله ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة؛ ثُمَّ أنَّ طعام القوم كان شيئا يسيرا لا يقطع عن إلحاق الجماعة غالبا.

قوله: «لئلا تدعو} » تعليل للحكم المذكور في تقديم العَشَاء. والمعنى إابدؤءوا بالعَشَاء لئلاَّ تعجلو في أداء الصلاة.

﴿وقوله: «فيقصر منها»﴾ أي ينقص من خشوعها وآآدائبها فيؤديها مستعجلا. وهذا التعليل يقضي بأنَّ الحكم خاصٌّ بمن يخشى ذلك أنَّ إن أخَّر العشاء، كالصائم يحضره الفطور والصلاة معا، وبه جزم أبو إسحاق في خصاله رحمة الله عليه.

٤٥٣ / ١٬٤٧٩