الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٥٨قولُه: «فليقل إنِّي صائم»؛ وفي رواية مالك: ”فليقل إنِّي صائم إنِّي صائمٌ“ كرَّره مرَّتين تأكيدًا. وقوله ذلك يجوز أن يُحمل على الكلام اللساني وهو الظاهر، فيقول ذلك بلسانه، ويدلُّ عليه قول عيسى عليه السلام لأمِّه: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:26]، ويجوز حملُه على الكلام النفساني، والمعنى لا يجيبه بلسانه بل بقلبِه، ويجعل حالَه حال من يقول كذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾[الإنسان:9]، وهم لم يقولوا ذلك بلسانهم بل كان حالهم حالُ من يقوله. وقد رجَّح هذا الإحتمال بعض الناس ورجح آخرون الأوَّل، واستحسن آخرون الجمعَ بينهما وقالوا إنَّ ذكرها في حديث مالك مرَّتين إشارةٌ إلى ذلك، فيقولها بقلبه ليكفَّ نفسَه وبلسانه ليكفَّ خصمَه. وقيل: إن كان في رمضان فبلسانِه وألاَّ ففي نفسِه. وادَّعى بعضُهم أن الخلاف في النفل أمَّا الفرض فبلسانه قطعًا. قيل: والحكمةُ في قوله ذلك تأكيد المنع من المشاتمة، فكأنه يقول لخصمه: إنِّي صائم تحذيرًا وتهديدًا بالوعيد المتوجه على من انتهك حرمة الصائم وتذرَّع إلى تنقيص أجره بإيقاعه في المشاتمة، أو يذكِّر نفسه تشديد المنع المعلَّل بالصوم، ويكون من إطلاق القول على الكلام النفسي، قيل: وظاهرُ كون الصوم جُنَّة أنَّه يقي صاحبه من أن يؤذى، والله أعلم.
كتاب الزكاة والصدقة