الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٢الكبائر فإنّهم يجتهدون في التّحرّز والعبادة لئلاّ يقعوا في الشّرك ويؤيّده ما روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "يقول وهوى بيده إلى العراق، يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السّهم من الرّميّة"، وحمْلُه على كلّ من خالف الحقّ في عبادته أظهر، كما يدلّ عليه ظاهر قوله السّلام يخرج فيكم قوم … الخ، فإنّ لفظ "في" تدلّ على أنّ الخروج بمعنى الوجود بعد العدم، والمعنى: يوجد فيكم قوم هذا وصفهم، واعلم أنّ اسم "الخوارج" كان في الزّمان الأوّل مدحاً لأنّه جمع "خارجة"، وهي الطّائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال عزّ وجلّ: ﴿وَلَوَ اَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾[التّوبة: 46]، ثمّ صار ذماًّ لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذّمّ في من اتّصف بذلك آخر الزّمان، ثمّ زاد استقباحه حين استبدّ به الأزارقة والصّفريّة فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبّحت لغيرها، فمن ثَمَّ ترى أصحابنا لا يتسمَّوْنَ بذلك وإنّما يتَسمَّوْن بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الدّيانة وعكس هذا الاسم تسمية أهل السّنّة، فإنّه كان في الزّمن الأوّل قبيحاً لكون المراد بالسّنّة التي سنّها معاوية في سبّ علي وشتمه على المنابر، فصار ذلك سنّة ينشأ عليها الصّغير ويموت عليها الكبير، حتّى غيّرها عمر بن عبد العزيز في خلافته، فأهل ذلك الحال هم أهل السّنّة في ذلك الزّمان ثمّ اندرس هذا السّبب واختفى وظنّوا أنّ السّنّة سنّة النّبيء صلّى الله عليه وسلّم فتمدّحوا بذلك وجمعوا بين المتضادّين في الولاية وهم يعلمون أنّ الحقّ مع فريق منهم وخالفوا سنّتهم الأولى حين صارت الدّولة لبني العبّاس من بني هاشم.
قوله: «تحقرون»: بكسر القاف: أي: تستصغرون.