الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٧٠قولُه: «سنَّ» أي جعل ذلك سُنَّة متَّبعة وطريقة مسلوكة، وفي حديث ابن عمر عند الجماعة ”فرض“ بدل قوله ”سنَّ“، ولاختلاف الروايتين ثبت الخلافُ بين الفقهاء في حكمها؛ فذهب المشارقةُ من أصحابنا والجمهور من قومنا إلى وجوبها، وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، وكذا ابن عبد البرّ مضعِّفا قول من قال بالسنيَّة، يعني فلا يقدح في حكاية الإجماع على أنَّه يمكنهم الجمع بأنَّ يقولوا إنَّها سنَّة واجبة؛ فهي سنَّةٌ باعتبار أنَّها طريقة مسلوكةٌ، وفرضٌ باعتبار الإلزام والتكليف. وقال المغاربة من أصحابنا وبعض قومنا: إنَّها سنَّةٌ الأخذُ بها فضيلةٌ وتركها ليس بخطيئة، وتمسَّكوا بظاهر حديث عائشة عند المصنِّف. وقال إبراهيم بن عُليَّة وأبو بكر بن كيسان الأصم وهما من قومنا أنَّها كانت فرضًا فنُسخ بزكاة الأموال، وهو قولٌ في المذهب أيضًا، ودليلهم على ذلك ما رواه النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: ”أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلمَّا نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله“. وتُعقِّب بأنَّ في إسناده راويا مجهولاً، وعلى تقدير الصِّحَّة فلا دليل على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأوَّل لأنَّ نزول فرض لا يوجب سقوط فرضٍ آخر.
قولُه: «زكاة الفطر»؛ وتُسمى صدقة الفطر، وزكاة الفطرة، وفطرة الأبدان، ومعنى زكاة <2/59> الفطر أي الفطر من رمضان فإنَّها تجب بسببه. وفي حديث ابن عمر: ”زكاةُ الفطر من رمضان“، ومعنى زكاة الفطر أو فطرة الأبدان أنَّها زكاة النفوس مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة.