شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٣ · صفحة ١٦١

قوله: «عن ابن عبَّاس الحديث»: رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد، وروى أيضًا أحمد ومسلم والترمذي <2/131> عن قتادة عن أنس أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: ”زجر عن الشرب قائمًا، قال قتادة فقلنا: فالأكل قال: ذلك شرٌّ وأخبث“.

قوله: «نهى عن الشرب قائما»: وذلك لأنَّه يحرك أخلاطا، وقال النخعي إِنَّمَا نهى عن ذلك لداء البطن، وقال غيره: للشرب قائما آفاتٌ عديدة، منها: إنَّه لا يحصل به الريُّ التام ولا يستقر في المعدة حتَّى يقسِّمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة، فيُخشى منه أن تبرد حرارته ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكلُّ هذا يضرُّ بالشارب قائما، فإذا فعله نادرا لم يضرّه، وبهذا يجمع بين النهي والفعل، فشربُه صلَّى الله عليه وسلَّم من زمزم قائمًا ناذرًا، وقد فعله لبيان الجواز، فالنهي محمول عندنا وعند الجمهور على كراهة التنزيه، وفعله صلَّى الله عليه وسلَّم لبيان الجواز لا يدخل تحت الكراهة، لأنَّ البيان عليه واجبٌ أو مندوب، ولا يكون فعل الواجب أو المندوب مكروها، واستظهر بعضهم أنَّ النهي للتحريم لا سيما وقد أَكَّدَ ذلك قوله في حديث أبي هريرة عند مسلم: ”لا يشربنَّ أحدكم قائمًا فإن نسي فليستقيء“ أي يتقيأه، لأنَّ التقيُّء يذهب بتلك الأخلاط المتولدة من الشرب قائما، قالوا فَهَذَا يدلُّ على التشديد في المنع والمبالغة في التحريم، وظاهر كلام هذا البعض أن النهي للتحريم، لكنَّه منسوخ لما ذكر بعد من الكلام الدال على ذلك، وقد قال بذلك قوم، وتعقِّب: بأنَّ النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأيضا فالجمع ممكن فلا حجَّة إلى تكلُّف القول بالنسخ، وتكلف بعض المالكيَّة في النهي تأويلاً بعيدًا فقالوا: لعلَّ النهي منصرف إلى من أتى أصحابه بماء فبادر يشربه قائما قبلهم استبدادًا به، وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا.

٧٢١ / ١٬٤٧٩