الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٥معاوية، فلم يرض بحكومتهما، فأين ما أعطى من العهد والميثاق إن كان التّحكيم حقاًّ، وإن كان باطلاً فعلى ما يلام ويقاتل من لم يرض به ؟ فإن قيل: إنّما قاتلهم لأجل الخروج عنه لا لإنكار الحكومة، قلنا: إنّما خرجوا بعد أن خلع الإمامة من عنقه وجعلها إلى الحكمين يحكمان فيها كيف شاءا، مع أنّه لا طاعة لمن لم يطع الله عزّ وجلّ، فعن أنس: "أنّ معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنّون بسنّتك ولا يأخذون بأمرك فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا طاعة لمن لم يطع الله عزّ وجلّ"، الحديث في مسند أحمد وفي جامع التّرمذي وفي مسند أحمد أيضاً عن حذيفة رضي الله عنه، قال: كنّا عند النّبيء صلّى الله عليه وسلّم جلوسا، فقال: إنّي لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتمسّكوا بعهد عمّار وما حدّثكم به ابن مسعود فصدّقوه"، وفي رواية: "فتمسّكوا بعهد أمّ عبد واهتدوا بهدي عمّار"، فنصّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في آخر عمره على من يقتدي به من بعده، وعلى من يهتدي بهديه وعلى من يسمع قوله فالأصحاب رحمهم الله تعالى اقتدوا بأبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمّار وسمعوا قول ابن مسعود، فهم على وصية نبيئهم عليه الصّلاة والسّلام، فهذا دليل على أنّ الصّواب ما عليه الأصحاب، وقد روت القوم أحاديث تقتضي سعادة عثمان ومن بعده من أهل الأحداث المخصوصين، ولإن صحّت تلك الأحاديث فلا يضرّنا ورحمة الله واسعة، والأصحاب رحمهم الله تعالى قد حكموا في ذلك بحكم الله تعالى، ولا تناقض بين سعادتهم، وحكم الله فيهم في هذه الدّنيا، فكم من محدود على الزّنا والخمر، وهو في علم الله تعالى يموت تائبا، ظهرت توبته للنّاس أو انسترت، ويؤيد ذلك ما في البخاري في فضل عائشة عن الحكم، سمعت أبا وائيل قال: لمّا بعث علي عمّاراً والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم