الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ١٩٤قوله: «لو قلتُ نعم لوجبت»: أي فريضة الحجَّ، واستدلَّ به القائلون أنَّ الإيجاب كان مفوَّضا إليه صلى الله عليه وسلَّم كما استدُّلوا بقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَآئِيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَىا نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران:93]، وفي المسألة خلاف مبسوطٌ في الأصول، ورُدَّ بأنَّ قوله: «لو قلتُ نعم» أَعَمُّ من أن يكون من تلقاء نفسه أو بوحيٍ نازلٍ أو برأيٍ يراه إن جوَّزنا له الاجتهاد، مع أنَّ القول من تلقاء نفسه مجرَّدًا عن وحيٍ جليٍّ أو خفيٍّ مردودٌ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىا إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىا﴾ [النجم:3،4]، وأمَّا تحريم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فقد قيل لنذر نذره، كان به عرق النساء فنذر إن شُفي أن يُحرِّم على نفسه أحبَّ الطعام إليه، وكان ذلك أحبه إليه فحرَّمه، وقيل: أشارت عليه الأطبَّاء باجتنابه ففعل ذلك بإذن من الله، فهو كتحريم الله ابتداءًا.
قوله: «ولو وجبت لم تفعلوا»: أي لم تُؤدُّوها لعجزكم عن ذلك، فإنَّ الاستطاعة لا تحصل لجميع الناس في كلِّ عام، وفي حديث ابن عبَّاس: ”ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها“.
قوله: «ولولم تفعلوا لكفرتم»: وذلك لتركهم الفرض حينئذ، وترك الفرض كفرُ نعمةٍ، وقد قال تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ <2/156> مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:97].
ومعنى قوله: «ومن كفر»: أي بترك الحجِّ بعد وجوبه عليه بالاستطاعة، ففي الآية والحديث دليلٌ على أنَّ تارك الفرض يسمَّى كافرا.