الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٢٤١قوله:« عام الفتح»: أي فتح مكَّة وذلك في رمضان، سنة ثمان من الهجرة. والمِغْفَرُ (بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الفاء، ثمَّ راء)، ما يجعل من فضل دِرع الحديد على الرأس، مثل القلنسوة، وقيل: ما غطَّى الرأس من السلاح، كالبيضة، وشبهها من حديد كان أو غيره، ولمسلم، وأحمد، وأصحاب السنن، "عن جابر،دخل صلى الله عليه وسلَّم يوم فتح مكَّة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" ورواه ابن عبد البرّ من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن جابر، وقال: أنَّه غريب عن مالك، قالوا ولا معارضة بينه، وبين حديث أنس،لإمكان أن المِغْفَرَ فوق العمامة، وهي تحته وقاية لرأسه من صدا الحديد، أو كانت العمامة السوداء ملفوفة فوق المغفر، إشارة للسُّؤْدَدِ وثبات دينه وأنَّه لا يغيِّر، وقيل: يحتمل أن يكون أوَّل دخوله كان على رأسه المغفرة، ثمَّ أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كلٌّ من أنس، وجابر ما رآه. وعلى كلّ حال، فقد صحَّ دخوله صلى الله عليه وسلَّم مغطيا رأسه، وهو مخالف لحالة الإحرام، وقد صرحوا بأنه لم يكن يومئذ محرما، وأيضا فلم يروِ أحدٌ أنَّه تحلل يومئذ من إحرامه، وذلك دليل على جواز دخول مكَّة بغير إحرام، لمن لم يرد حجا، ولا عمرة، وقد اختلف الفقهاء في ذلك. قال أبو سعيد: جاءت السنة فيما قيل: أنَّ من دخل مكَّة يريد حجا، أو عمرة، فعليه الإحرام، والوداع قال: ولا أعلم في ذلك اختلافا. قال: واختلف فيما سوى ذلك، ثمَّ ذكر الخلاف مفصلا، ونقل غيره عن علي ابن أبي طالب:" لا يدخل أحد مكة إِلاَّ محرما" وقال ابن عبَّاس:" لا يدخل أحد مكَّة بغير إحرام إلاَّ العلافين، والحطابين، وأصحاب منافعها"، وعن ابن عبَّاس أيضًا قال:" لولا أن يُشَقَّ عليَّ السَّعي بين الصفا والمروة،<2/190> ما دخلت من حلّ إلى حرم إِلاَّ بإحرام" وهذا منه يدلُّ على أن قوله الأوَّل على جهة الاستحباب، وكان عطاء يرخص للحطابين من أهل مكَّة أن يدخلوها بغير إحرام.