شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٣ · صفحة ٢٨٤

قوله: «مكة حرام» … الخ تقدم شرحه في حديث أنس آخر باب المواقيت، وزاد هنا قوله: "حرمها الله تعالى إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، قال فغمزها النبيء صلى الله عليه وسلم بيده" يعني أنه أشار إلى تقليلها بيده يقال: غمزه غمزاً من باب ضرب إذا أشار إليه بعين أو حاجب، وغمزته بيدي من قولهم: غمزت الكبش بيدي إذا جَسَستُهُ لتعرف سمنه، والساعة المشار إليها ما بين أول النهار ودخول وقت العصر، كما في مسند أحمد، وذلك يوم الفتح، والحديث يدل على <2/223> تحريم دخول مكة بحرب وإن قصد العدل، لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر حرمتها على من بعده، وإن حربها خصوصية له، وإنما يجوز دخولها على قصد إظهار الحق دون الحرب لمن وجد القوة على ذلك، فيأمر وينهي ويظهر الحق وينشر الأحكام، فإن قوتل على ذلك قاتل، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىا يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَالِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:191] والآية محكمة عند ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد، فلا يجوز عندهم قتال أحد عند المسجد إلا بعد أن يقاتل، واستثنى القطب: المشرك، فإنه إن دخل الحرم أو المسجد الحرام وأمر بالخروج فأبي قوتل، ولو لم يقاتل، والنهي عند جمهور قومنا، وقتادة منسوخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:5] وقيل: منسوخ بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىا لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة:193] ونسب لقتادة والله أعلم، وحديث الباب يؤيد القول الأول وهو: أن الآية محكمة، لأنه كان يوم الفتح والأمر بالقتال كان قبل ذلك والله أعلم.

قوله: «وكان شيخا مجربا»: (بضم الميم وكسر الراء المشددة) فاعل من جربت الشيء تجريبا، إذا اختبرته مرة بعد أخرى والله أعلم.

الباب السابع في عرفة والمزدلفة ومنى

٨٤٤ / ١٬٤٧٩