الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٨قوله: «وكبر أربع تكبيرات» فيه أنَّ تكبير صلاة الجنازة أربع وهو المقصود من الحديث وعليه وقع الإجماع في زمن الصحابة وقيل كانوا يكبرون ستا وأربعا وخمسا فلمَّا ولي عمر جمع أصحابه وقال: إن اجتمعتم أجتمع من بعدكم وإن اختلفتم أختلف من بعدكم، فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات، واعترضوا الاستدلال بالحديث بأنَّه صلاة على غائب لا على جنازة، وأجيب بأنَّ ذلك يفهم بطريق الأولى، وروى ابن أبي داود عن أبي هريرة أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم: "صلَّى على جنازة فكبرا أربعا" وقال: لم أر في شيء من الأحاديث الصحيحة أنَّه كبر على جنازة أربعا إلاَّ في هذا، قال وإنما ثبت أنَّه كبر على النجاشي أربعا وعلى قبرٍ أربعًا وأمَّا على الجنازة هكذا، فلا إلاَّ هذا الحديث، وفي الحديث الصلاة على الميِّت الغائب عن البلد وبه قال أصحابنا والشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقد صلَّى موسى بن أبي جابر بإزكي على الربيع لماّ بلغه موته وكان غائبا، وقال الحنفيَّة والمالكية لا تشرع الصلاة على الغائب، ونسبه ابن عبد البرّ لأكثر العلماء، وأنهم قالوا ذلك خصوصيَّة له صلى الله عليه وسلم. قلت: دعوى الخصوصيَّة محتاجة إلى الدليل ولا يكفي ما ذكروه من الاحتمالات فإنَّها محتاجة إلى النقل، وقال ابن العربي من المالكيَّة قولهم: إِنَّمَا ذلك لمحمَّد قلنا وما عمل به محمَّد تعمل به أمته، قالوا: طويت الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إن ربنا عليه لقادر ونبيئنا لأَهلٌ لذلك ولكن لا تقولوا إِلاَّ ما رويتم ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم ولا تحدّثوا إِلاَّ بالثابتات ودَعُوا الضعافَ فإنَّها سبيل إلى تلافي ما ليس له تلاف، وقد بسطت القول في هذه المسألة وغيرها في المعارج والله أعلم.
<2/347> ما جاء في صلاته صلى الله عليه وسلم على أهل البقيع