فتح المغيث لمحمد المطهري - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٥عن الأحاديث المتعارِضَة التي لا يمكن التوفيق بينها، مِنَ الحُكم على بعضها بِأَنَّهُ ناسخ وعلى البعض الآخر بِأَنَّهُ منسوخ. فما كان بيانه بالقول فلا إشكال، فدليله منطوق به، وَأَمَّا الآخر وهو البحث العلميُّ عن المُتَقَدِّم من المتأخِّر، فهو من أهمِّ ما يبحث عنه من يحِبُّ أن يعلمه، لأَنَّ كلَّ من يتصدَّى للبحث في أحكام الشريعة لا يمكن له أن يستنبط أحكام الشريعة من أدلَّتها إن لم يعرف ذلك من غير بحث المُتَقَدِّم من المُتَأَخِّر، وهي أَدِلَّة النسخ. وهذا الفنُّ من تتِمَّات الاِجتهاد، وهو غير علم التخصيص من العموم، والمقيَّد من المطلق، ونحو ذلك، لأَنَّ الأمر في ظواهر الأخبار يسير، وَإِنَّمَا الإشكال في كَيفِيَّة استنباط الأحكام من خفايا النصوص، والتحقيق العلميُّ فيها. ولأهميَّة هذا العلم أولاه الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم اِهتماما كبيرًا؛ فكان الأَيمَّة يستخرجون أحكام مذاهبهم من دقيق السنَّة. وقد بيَّنوا أسباب ذلك. وأهمُّها عِلم النسخ من الكتاب وَالسُّنَّة.
ومن أبيَن الأَدِلَّة ما جاء في رواية جابر بن عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله i ترك الوضوء مِمَّا مسَّته النار، وقد تَقَدَّمَ تأويل النسخ فيه من دليل البحث اللغويِّ.
ومن أَدِلَّة النسخ يكون المتأخِّر ناسِخًا لمتقدِّم من عِلم التاريخ ما رواه رافع بن خديج وغيره أَنَّ رسول الله i أتى على رجل يحتجم في رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»(1). وفي الرواية أَنَّ المحتجم كان جعفر بن
(1) - … رواه الترمذي في كِتَاب الصوم (60)، باب كراهية الحجامة للصائم، رقم 774، من حديث رافع بن خديج.