فتح المغيث لمحمد المطهري - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣«سمعت»، ثُمَّ يسكت، ثُمَّ يقول: «فلان» أو «فلان»، موهِمًا أَنَّهُ سمع منهما وليس كذلك؛ مثاله ما روى ابن عديٍّ عن عمر بن عبيد الطنافسي أَنَّهُ كان يقول: «حدَّثنا» ثُمَّ يسكت، وينوي القطع، ثُمَّ يقول: «هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة»، موهِمًا أَنَّهُ سمع منه مع أَنَّهُ لم يَصِحَّ له سماع منه … الخ(1).
وعلى كلٍّ فعبارات المدلِّسين تنطوي على خبث شديد، وإبهام وجهالة واضحة، وكلُّ ذلك من أنواع الطعن في الرواية كما تَقَدَّمَ.
ومن المدلِّسين من يعمد إلى لفظ مُبهَم متشابه يلويه لسانه تعظيما لشيخه من خلال تعظيم البلد أو الحيِّ الذي يُنسبُ إليه، كما إذا قال المصريُّ: «حدَّثني فلانٌ بالأندلس» ويريد موضِعًا بالقرافة؛ أو قال: «بزقاق حلب» وأراد موضِعًا بالقاهرة؛ أو قال البغداديُّ: «حدَّثني فلان بما وراء النهر»، وأراد نهر دجلة؛ أو قال: «بالرقَّة» وأراد بُستانا على شاطئ دجلة؛ أو قال الدمشقيُّ: «حدَّثني بالكرك» وأراد كرك نوح، وهو: بالقرب من دمشق، ونحو ذلك مُريدًا بذلك إيهام الأخذ والرحلة في طلب الحديث، وتعمية الراوي غير الموجود أو غير الثقة.
وكلُّ أنواع التدليس ترد على الصحيح، لأَنَّهُ يرد عليها الطعن من جهة الجهالة والإيهام والكذب، فتردُّ لأَنَّ الإسلام محاسن وصِدق، والله أعلم.
(1) - … راجع هَذِهِ الأقسام بتوسيع في كِتَاب: منهج النقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين عتر، ص 381 - 383.