فتح المغيث لمحمد المطهري - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٨٠واضمحلالها، لأَنَّ هذا قد سلمت منه أعرق الأمم في الوثنيّة الهمجيّة، ولكنّي أعني به ان تصير احوال الأمّة شبيهة بأحوال الأنعام بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها، وقد يفضي بعض ذلك الاِختلال إلى الاِضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلّط العدوّ عليها إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها أو الطامعة في استيلائها عليها، كما أوشكت حالة العرب في الجاهليّة على ذلك. وقال زهير:
تدراكتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقّوا بينهم عِطر منشم
وقد مثّل الغزالي في "المستصفى" وابن الحاجب والقرافي والشاطبي بهذا القسم الضروري بحِفظ الدين والنفوس والعقول والأموال والأنساب، وزاد القرافي -نقْلاً عن قائل- حِفظ الأعراض. ونُسب في كتب الشافعيّة إلى الطوفي(1).
قال الغزالي: وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة يستحيل أن لا تشتمل عليه مِلّة ولا شريعة، أريد بها إصلاح الخلق، وقد عُلم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد وأصل معيَّن، بل بأدلّة خارجة عن الحصر. وقال الشاطبي: وعلم هذه الضروريّات صار مقطوعًا به ولم يثبت ذلك بدليل واحد معيّن، بل علمت ملاءمتها للشّريعة بمجموع أدلّة لا تنحصر في باب واحد، فكما لا يتعيّن في التواتر المعنويّ أن يكون للعلم خيرًا واحدًا من الأخبار دون سائر الأخبار، كذلك لا يتعيّن هنا لاستواء
(1) - … نسبة إلى طوفى قرية من أعمال صرصر بناحيّة بغداد.