في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

عداد الحسنات به يشتغل، وهذا فيه حثٌّ على الكتابة، بأن يكون المرء دائمًا مصحوبًا بقلم وقرطاس أين ما ذهب، وخصوصًا طالب العلم الذي يذهب إلى أي مكان يتعلم فيه من مدرسة أو معهد أو مسجد أو حلقة ذكر، ومن لم يكن كذلك فهو كالساعي إلى الهيجاء من غير سلاح، أي كالذي يخرج إلى الحرب من غير سيف ولا رمح ولا بندقية، فإذا كان سلاح المجاهد هو هذا، فإن سلاح الطالب قلمه ودفتره، فيجب أن تكون له مذكرة وقلم حيث لو عرضت له حكمة شاردة يقيِّدها في ذلك الدفتر، "العلم صيد والكتابة قيده" كما قيل، فإذا اصطدت تلك الحكمة مثلاً ثم قيّدتها في دفتر فلن تفلت منك أبدًا، وإن أنت سمعت حكمة فلم تقيّدها وقلت سأكتبها فيما بعد، فإنك ربما تنساها قبل قيامك من مجلسك ذلك، فلا شيء يقيِّد العلم إذن مثل الكتابة.

فهذا النبيء الأمي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة يأمرنا بالحرص على الكتابة، ويبيِّن لنا ما فيها من الأجر، ويبدو أنَّ هذا الأجر أعلى درجة في التقدير، وأنه يوزن بدماء الشهداء، وأنه لا يزال ينال به الأجر ما دام ذلك المداد فيه، فربما يبقى ذلك الحبر عامًا كاملاً وهو في ثوبه فسيبقى العداد عامًا كاملاً وهو يشتغل في حساب الحسنات.

وقد بدأ الصحابة الكتابة من عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث كانوا يكتبون القرآن الكريم، وأمَّا الحديث الشريف فكانوا يحفظونه ولا يكتبونه مخافة الاختلاط بالقرآن، فلما كثر حفاظ القرآن وانتشروا وكُتِب المصحف الإمام اشتغل الناس

١٠٠ / ٢٠٨