في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

وأمَّا اليوم -والحمد لله- فالدنيا كلها كتب ومجلدات سواء في المكتبات العامة أو الخاصة، فإن كان باستطاعتك اقتناء أمهات الكتب التي لا يمكن الاستغناء عنها فافعل، فنحن نرضع العلوم منها رضاعا دائمًا مثل ما يرضع الصبي الحليب من أمه فلا يستطيع الاستغناء عنه، وهناك كتب أخرى من الفروع، فالمرء عليه إذن أن يقتني الأمهات من الكتب في التفسير وفي أصول الدين والفقه والسيرة والحديث، فإن لم يستطع ففي كل بلد أو مؤسسة علمية يجد مكتبة عامة بابها مفتوح للمطالعة، واستنساخ النسخ منها، فلم يعد الأمر صعباً، فأحيانا تجد مخطوطًا مفقودًا وأنه بإمكانك تصويره ونسخه بمبلغ معقول، فالوسائل والظروف متوفرة اليوم للقراءة والمطالعة ولكن على الإنسان ألاّ يستغني عن الكتابة أبدًا، حيث يكون دائما مرفوقًا بدفتره يكتب الشوارد مما يلقاه في ميدان العلم والمعرفة من أحاديث وأدعية وحكم وتفاسير حتى ينال فضل الكتابة، وربما رغم هذه الوسائل تجد كتابًا مفقودًا لا يتسنى لك تصويره، فتكتبه كاملاً بنية التقرب إلى الله تبارك وتعالى، فكثير من الناس يكتب القرآن كاملاً رغم توفر المصاحف إلاّ أنه ينوي بذلك التقرب إلى الله تبارك وتعالى، حيث يكتبه بكتابة صحيحة جيدة مراجعة، ينتفع الناس به بعده ورغم أن المصاحف متوفرة اليوم ومع ذلك فإن للمخطوط قيمته ونكهته، فإذا كانت قيمته عند العباد كذلك، فقيمته عند الله مثل ذلك وأكثر لأن الذي

كتب قد تعب وصحّح وحقّق فلا يضيع أجره عند الله تعالى، ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنَ اَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (الكهف: 30).

فهذا الحديث إذن يحضنا على الكتابة ويبين لنا شرفها عند الله تعالى، ولكننا لا نتّكل على الكتابة فقط في طلب العلم؛ بل علينا بحفظ ما نكتب بأكبر قدر نستطيعه حتى يكون علمنا دائما معنا لا في الخزائن أو الصناديق، فنفتقر إليها، وقد قال الإمام الشافعي:

علمي معي حيثما يممت ينفعني … قلبي له وعاء لا بطن صندوقي

١٠٢ / ٢٠٨