في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

وبعد نزول الميراث إلى وفاة النبيء - صلى الله عليه وسلم - فترة قصيرة، فجاءت الجدة لأب تطالب هي الأخرى بحقّها في الميراث، فقال لها عمر: لا أجد لك في كتاب الله شيئا إلا السدس الذي أعطاه النبيء - صلى الله عليه وسلم - للجدة لأم فهو بينكما على السواء، فقسم بينهما هذا السدس. ولو أعطى لها سدسًا آخر لنقص من نصيب الورثة، كالزوجة إذا كانت وحدها تأخذ الربع وبوجود الولد تأخذ الثمن، وإن كنّ عدة زوجات فالربع أو الثمن بينهن بالسواء يقسمنه إن كنّ اثنتين أو ثلاث أو أربع ولا تأخذ كل منهن ربعا أو ثمنا خاصا.

وكذلك فعل عمر مع الجدتين، ووافقه على ذلك الصحابة رضي الله عنهم، وكان ذلك اجتهادا منه - رضي الله عنه - وإجماعا سكوتيا من الصحابة «فإن لم تجدوه في سنتي فإلى أولي الأمر منكم» فهنا ميراث الجدة لأب لم يكن في سنة النبيء - صلى الله عليه وسلم - فذهب إلى أولي الأمر أي إلى عمر - رضي الله عنه - الذي هو من أولي الأمر بالعلم وبالحكم، فأقرّه جميع الصحابة وبقي إلى يوم الناس هذا، وكذلك عدة قضايا في المدينة، فلا بد لها من أحكام حتى لا يبقى الفقه الإسلامي جامدا.

ولكن ماذا نفعل مع هذه القضايا المستجدّة والكيفيات المختلفة، من صور المعاملات أو المسائل الطبية وغيرها .. فلا بُدّ لها من أحكام حتى يكون الفقه مسايرا للعصر وتطوّر العلم، فالفقه هو الذي يتطوّر وأمّا الدين فكامل قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا﴾

فالفقه يتطور إذن بأن نقيس الأشباه بالأشباه والنظائر بالنظائر، وأن ننظر في المصالح المترتبة من ذلك فالتي اعتبرها الشرع نعتبرها والتي ألغاها نلغيها، ونعمل القياس أيضا.

١٢٢ / ٢٠٨