في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

ومن الغريب كان من المفروض أن يُقدِّم الخطر الأول؛ وهو فساد النية، النية التي تتعلق بالذي لا يطلب العلم لأجل أن يقرِّبُه إلى الله وينجيه يوم القيامة، بينما يطلبه للمباهاة والتصدّر والسِّيَّادة والرفعة، كان من المفروض أن يقدم هذا الباب أوّلا، لماذا يا ترى أتى بباب عدم العمل أولا؟ لا بدّ وأنّ للمرتّب وجهة نظر في تقديم هذا الحديث؛ وهذا هو الدور الذي قام به المرتِّب، وما قام به الربيع بن حبيب - رحمه الله- هو أنّه جمع كلّ ما بلغه عن مشايخه من أحاديث من غير ترتيب، ثم جاء المرتّب من بعد ذلك فرتّبها. ولعلّ الخطر من عدَمِ العمل بالعلم يهلك به أناس كثيرون، أكثر من الخطر الأول الذي هو فساد النية لأن الشهوات أو الأهواء والنزوات تغلب على الإنسان إلا من رَحِمَ ربُّك.

أكثر الناس الذين حادوا عن طريق الله ظَلَمُوا بعضهم البعض أو ظَلَمُوا أنفسهم بالمعاصي، ليس لأنَّهم لم يعرفوا؛ فأكثرهم عارف وعالم، وإنَّما بعضهم حينما يسمع ويعلم فإنه لا يقبل بذلك العيب، بل يجادل بالباطل، وبعض آخر يَعْرِفُ ويقبل به ولكن نفسه لم تَقْوَ على تغيير ذلك، وغَلَبَتُه أهواؤُهُ وشهواتُهُ.

وأكثر الذين لم يعملوا بالعلم لا سيما في الأوساط التي انتشر فيها العلم ليس

آفتهم عدم العلم، وإنَّما آفتهم أنهم عَرَفُوا ولكن غلبَتْهُم نفوسهم وشهواتهم وأهواؤهم وحبُّ الدنيا، والكِبْر عن قبول الحق وما إلى ذلك، فأصيبوا من هذه النّاحية.

١٤٢ / ٢٠٨