في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

وأما بالنسبة للمسألة الأولى التي هي السُّوءُ في العلم، فستأتي، فلقد وضعت في الدرجة الثانية، وهي في الأصل في الدرجة الأولى كما ذكرنا، درجة الإخلاص والنية، قبل العمل ولكن جَعَلَها المرتب في الدرجة الثانية لعلَّ خطر هذه النية الفاسدة في العلم نفسه الذي يأباه فيَنْفِيهِ عن نفْسِه، يقول لِصَاحِبِه: ليس هكذا، فيصحّح صاحبه، كما تقدَّم بنا كلام أبي ذر أبان بن وسيم ـ رحمه الله ـ الذي قال: "طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله"، يعني أن العلم ذاته هو يصحِّحُ لصاحبه يقول له: إنّك مخطئ تطلبني للدنيا فسأمتّعك بها، ولكن أُطْلُبْنِي للآخرة.

خطر فصل العلم عن العمل:

فمن هذه الجهة فلا بأس، ليس فيه نوعٌ من التصحيح أثناء الطريق بل في أوّل الطريق، تصحيح ذاتي من العلم نفسه، لعل من يهلك من هذا الباب قليل، لكن الذين يهلكُون من باب قلّة العمل بالعلم خَلْقٌ كثيرٌ، يعرفون الحقَّ لكن لا يتَّبِعونه، إنّهم يعرفون الله ولا يطيعون، إنَّهم يعرفون سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أرسله الله ليتَّبِعوا سُنَّتَه ويطيعوا قوله، لكن لا يطيعون قوله ولا يتّبعونه، إنهم يعرفون الجنة وما جعل الله فيها مِن النَّعيم للمُطِيعِين، لكن لا يعملون عَمَلها، يطلبونها: يا رب

أعطنا الجنة بدون أن يعملوا لها وبدون أن يسيروا في دربه، إنَّهم يعرفون جهنم وما فيها من العذاب الذي لا يطاق، ولكن لا يتركون الخصال التي تُوقِعُهُم فيها لأنَّ شهواتهم وأهواءهُم غلبتْهُم، فهُمْ يستعيذون بالله منها ولكن لا يَفِرُّون منها بترك الأسباب الموصلة إليها، يرتكبون المعاصي ويغتابون وينِمُّون، ويكذبون على الناس، ويأكلون أموالهم بالباطل، ويخاصِمُون بالفجور، ويحلفون على الكذب وهم يعلَمُون، أشياء كثيرة من هذا القبيل.

١٤٣ / ٢٠٨