في رحاب السنة (الجزء 2): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

وفي هذه النية هلاك للنفس وهلاك للمجتمع أيضا، فإذا كان في علماء مجتمع ما وكان فيهم من يريد التعاظم ويريد المراء فإنهم سيختصمون ويتدابَرون، فتنشق الأمة لأن فيها عالم يدعو إلى الحق وآخر يريد أن يجادله بالباطل والناس يتيهون حين ذلك، كالرعاة عندما يختصمون يأخذ كل واحد قطيعه، فتفترق الأمة بذلك وتهلك بسبب علماء السوء، بخلاف لو كانت نيّاتهم صالحة وركبوا الحق وتواضع بعضهم لبعض لما اختلفوا ولا تنازعوا ولم تفترق الأمة، لكن يمكن أن يكون ثمّة خلاف بينهم في مسألة من المسائل فهذا طبيعي، لكن يبقى كل واحد له نظريته، أما أن يتعادوا ويحصل الافتراق فهذا لا.

«حين يكون العلم لأهله زينا» يكون جمالا، بالنسبة للعلماء المخلصين فيظهر جمالهم وزينتهم يوم القيامة في ذلك اليوم ويبرز الفرق الكبير بين العلماء المخلصين المتواضعين الذين لا يريدون المباهاة ولا العظمة ولا الرفعة، فيكون

علمهم زينا لهم يوم القيامة، وقد كان زين لهم في الدنيا. وبين العلماء الذين يريدون العظمة والرفعة والجدال يكون عليهم العلمُ ذُلاًّ وصغارًا وحسرة وندامة.

ربما في الدنيا لا يشعر الإنسان لمن الحق مع هذا أو هذا لأن النيات لا يعلمها إلا الله، وقد تظهر، ولكن النيات التي في القلوب لا يعلمها إلا الله، ربما في الدنيا يلتبس أمرهم على الناس لكن في الآخرة يظهر الفرق الكبير لأن الله يعلم ما في الصدور ويجازي كلاّ على حسن نيته.

إذن يكفي الإنسان أن يتفكّر المصير بهؤلاء وهؤلاء يكفيه عبرة وموعظة ويحذر ويتّقيه باتقاء أسبابه فلا يريد بتعليمه أو تعلّمه الرفعة ولا العظمة ولا المباهاة وإنما يريد به وجه الله تبارك وتعالى ثم بعد ذلك يتواضع حتى يكون له علمه زينا وجمالا يوم القيامة، هذا هو الزين والجمال الحقيقي لأنه يبقى دائما وأبدا.

١٦٢ / ٢٠٨