في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 2 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٤يوسوس الشيطان لأحدكم فيتّخذ بعض الخزعبلات والخيالات ليفتخر بها على الناس، فهي كالكذب على الله، لماذا؟ لأنّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ»(1) أو الوحي، فمن كذب فيها فكأنما ادّعى الوحي، ﴿وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا اَوْ قَالَ أُوحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ (الأنعام: 93)، فلا يَرْوِيَنّ أحدكم إلا ما تذكّر من رؤياه، وإن لم يتذكّر فلا يبُح بها فهو أفضل.
جزاء الكذب في الرؤيا:
«كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر لها»: حقا إنه تمثيل رائع ومفزع في آن واحد فهو إذن كمن سقط من عالٍ، من طائرة أو من أي مكان فصادف بئرا، فلا يزال ماحيِيَ يهوي فيها إلى يوم القيامة، والمستقرّ أين؟ في نار جهنم والعياذ بالله، والمصيبة الأكبر هي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولو أصاب الحق»، أي: أنّه ولو كان صادف حقًّا في فتياه فقال في شيء حلال أو
حرام من رأيه، فصادفت الحق، كرمية من غير رام ـ كما يقال ـ، ولكنه قالها بغير علم، فإنه لا ينجو بينه وبين الله يوم القيامة لأنّ المرء إن كان من طبعه أنه يفتي بغير علم أو يفسر الرؤى بغير علم، فإنه أحيانا يصادف الحق وأحيانا يصادف الباطل، فلن يصادف الحق دائما.
أمّا إنْ قال: "لعل" فهذا لا بأس، أمّا أن تكون فتوًى يفتي بها للناس، كما يقول البعض ضعها على عاتقي وعلى ذمّتي، فهذا هالكٌ لا محالة، وكذلك الذي يسمع لفتواه هالك أيضا، لأن الربّ تعالى سيحاسبه هو أيضا ويقول له: أتتبع جاهلا؟ إذن فلا عذر لك في ذلك.
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة، رقم: 6474، 6/ 2563. ورواه الترمذي في السنن، كتاب الرؤيا عن رسول الله، باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة، رقم: 2196، 4/ 534، وقال: هذا حديث حسن صحيح.